تضمن التقرير المرحلي للجنة فينوغراد استنتاجات وتوصيات إزاء تصميم السياسة الخارجية الصهيونية وإدارتها على مستوى الأمن القومي، وهذه الوثيقة تتعلق بتداعيات وأبعاد هذه الاستنتاجات والتوصيات، ويشار إلى أن إعداد هذه المذكرة كان على أساس من الحديث والمقابلات مع أكثر من عشرة أشخاص لعبوا ولا يزالون يلعبون أدواراً مركزية في السياسة الخارجية الصهيونية خلال الأعوام العشرة الأخيرة كما أنها مقدمة لكل من رئيس الوزراء، وزير الدفاع، وزيرة الخارجية، رئيس الكنيست، ورئيس لجنة الخارجية والأمن البرلمانية ولجنة فينوغراد عشية تلخيص تقريرها النهائي.
يرصد معهد ريئوت توجهاً منطقياً بشأن تطور تهديد وجودي لدولة الاحتلال على الصعيد الدبلوماسي السياسي في موازاةِ التهديد الوجودي العسكري الأمني القائم وأن العوامل التي تدفع هذا التوجه تبلورت قبل حرب لبنان الثانية وتكشفت بقوتها الكبرى إبان هذه الحرب وجراء ذلك تتضح مدى أهمية سياسة دولة الاحتلال الخارجية وأهمية وزارة الخارجية كذراع مركزي للدولة على هذا الصعيد.
ويمكن القول إن تقرير لجنة فينوغراد وضع في الواقع أسس وجوب تشاور رئيس الوزراء مع وزارة الخارجية حول المسائل الأمنية كسبيل لزيادة وزن وقيمة الاعتبارات السياسية والدبلوماسية على الصعيد القومي وبذلك يطور التقرير مكانة وزارة الخارجية كما يعكس مدى أهمية البعد السياسي الدبلوماسي.
لقد تبلورت توصيات لجنة فينوغراد رغم أن إدارة السياسة الخارجية وأداء وزارة الخارجية خلال حرب لبنان الثانية ظلَّت خارج مركز عمل اللجنة عشية تقريرها المرحلي ومع ذلك فإن اللجنة من شأنها الاشتغال بهذه المسائل في تقريرها النهائي.
وهذه الوثيقة التي أعدها معهد ريئوت والتي تخوض في سياسة دولة الاحتلال الخارجية على مستوى الأمن القومي، قد طرحت التحديات التي تواجه وزارة الخارجية الصهيونية وتحد من فاعليتها ومن هذه التحديات تذكر الوثيقة:
1- عدم وجود مفهوم واضح للأمن القومي يتطرق للتحديات السياسية والدبلوماسية على أساسها يمكن توزيع الموارد بين وزارة الدفاع وبين جهاتٍ عاملةٍ في مجال السياسة الخارجية.
2- في المسائل الأساسية لا توجد لدولة الاحتلال سياسة خارجية، وبالتالي عدم وجود من يديرها – أي أن هناك جهات كثيرة تعمل في مسائل مركزية خاصة بالسياسة الخارجية دون انصياع أو واجب إطلاع رئيس الحكومة أو وزارة الخارجية أو جهةٍ أخرى ذات علاقة.
3- عدم وجود مفهوم لتفعيل وزارة الخارجية يضع القيمة الخاصة للخدمة الخارجية ووزارة الخارجية لصالح وخدمة الأمن القومي.
4- وزارة الخارجية لا تعمل على إعداد مستخدميها لأدوار على مستوى الأمن القومي كما لا تحدد شروط سقف للثقافة، الخبرة والتجربة، علاقات أو كفاءات للعمل في هذه الوظائف.
* تحديات السياسة الخارجية
من هنا فإن استنتاج معهد ريئوت في ظلِّ هذا الوضع يقول أن التحديات التي تواجه دولة الاحتلال تلزم بإعادة تنظيم السياسة الخارجية ووزارة الخارجية، إذ دون إعادة مثل هذا التنظيم فإن قدرة وزارة الخارجية بشأن تمثيل اعتبارات السياسة الخارجية في مجال الحوار الداخلي القومي ستظل محدودة كما سيصعب على دولة الاحتلال مواجهة التحديات التي تقف على بابها، كما يدعو معهد ريئوت إلى دراسة التوصيات التالية:
1- إعادة فحص تخصيص الموارد في الأمن القومي – أي تشكيل لجنة تحدد من جديد المنافع والأهداف للسياسة الخارجية ووزارة الخارجية كما تدرس مواردها مقارنة مع ميزانيات وزارة الدفاع وذلك في ظل التوجهات الإقليمية والدولية ذات النفوذ الاستراتيجي على دولة الاحتلال.
2- تعريف " المسائل الرئيسية" للسياسة الخارجية – أي تكون الحكومة مسؤولة عن وضع قائمة بالموضوعات الرئيسية كما يتم استكمال هذه القائمة والاضطلاع عليها سنوياً.
3- تحدد الحكومة هوية الجهات التي تضم المسائل الرئيسية أي تكون لوزارة الخارجية مسؤولية عن كل ما تبقى من أمور، وان الجهة التي تضم المسائل الرئيسية تطرح سياسة دولة الاحتلال ضمن مسؤوليتها لمصادقة رئيس الحكومة أو مصادقة اللجنة الوزارية ذات العلاقة بالموضوع، كما هو مطلوب من وزارة الخارجية أيضاً أن تعرض سياستها إزاء كل موضوع من الموضوعات الرئيسية المذكورة أعلاه كما تكون مسؤولة عن باقي الأمور الأخرى.
4- تبلور وزارة الخارجية مفهوم تفعيل يعرف كيفية استغلال القيمة الإضافية لديه إزاء الأمن القومي.
5- يتم تحديد شروط سقف للتعيينات في الأقسام الاستراتيجية لوزارة الخارجية أي تحدد الوزارة شروط سقف من الثقافة، التجربة والخبرة، المعرفة، كفاءات وعلاقات للتعيينات في الأقسام الاستراتيجية بالوزارة.
يشار هنا إلى أن القيمة الإضافية لمعهد ريئوت تكمن في خبرة وتحديد الظواهر والفرص الاستراتيجية من خلال كشف فرضيات أساس وفرضيات عمل لمتخذي القرارات ودراسة موضوعيتها في ظل الواقع المتغير، وتذكر الوثيقة القضايا التي ركزت عليها لجنة فينوغراد على الإدارة بين المستوى العسكري والمستوى السياسي – أي أن لجنة فينوغراد لفحص أحداث المعركة إبان حرب لبنان الثانية ركزت على الإدارة بين المستوى العسكري والمستوى السياسي وبالتحديد في إدارة الأمور من جانب رئيس الحكومة وزير الدفاع ورئيس الأركان، وأن اعتباراتٍ مختلفة دفعت اللجنة إلى كتابة التقرير المرحلي الذي قُدم لرئيس الحكومة في نيسان 2007 وركز على الأيام الخمسة الأولى للحرب.
كما يذكر التقرير أن لجنة فينوغراد لم تفحص في تقريرها المرحلي كيفية تجسيد السياسة الخارجية أو أداء وزارة الخارجية بنفس الصيغة التي فُحص بها ديوان رئيس الحكومة وقيادة الجيش، ورغم ذلك استخلصت اللجنة في تقريرها المرحلي وجوب تحسين الصيغة التي تضم اعتبارات السياسة الخارجية في صياغة الأمن القومي بواسطة إشراك وزارة الخارجية في هذه العمليات والإجراءات.
كما انها لم تفحص اللجنة في تقريرها المرحلي صياغة السياسة الخارجية أو أداء وزارة الخارجية بنفس الطريقة التي فُحص بها ديوان رئيس الوزراء وقيادة الجيش ورغم ذلك فقد استنتجت اللجنة في تقريرها المرحلي، وجوب تحسين الطريقة التي تُؤخذ في اعتبارات السياسة الخارجية في صياغة الأمن القومي من خلال دمج وزارة الخارجية في هذه الإجراءات.
يذكر أن هذه الوثيقة قد كتبت في أعقاب توصيات لجنة فينوغراد في تقريرها المرحلي وهدفها الإشارة إلى عدد من التحديات البنيوية في مجال صياغة وإدارة السياسة الخارجية وكل ما يتعلق بوزارة الخارجية، إذ يعتقد معهد ريئوت أن إعادة تنظيم السياسة الخارجية أمر حيوي لأمن الدولة الصهيونية.
* مشاكل بنيوية في السياسة الخارجية
وقد قام معهد ريئوت بإعداد المذكرتين اللتين قدمتهما لجنة فينوغراد – خلال حرب لبنان الثانية وما تلاها قام بدراسة فرضيات عمل دولة الاحتلال إزاء ما يتعلق بأهداف الحرب وغاياتها، وإزاء ساحة الألعاب الإقليمية والدولية وضمن هذا الجهد صدرت عشرات الوثائق خلال الشهرين الأخيرين وقد تم تلخيص وتقديم هذا العمل إلى لجنة فينوغراد ضمن وثيقتين:
أ- الوثيقة الأولى تعلقت بالمشاكل البنيوية التي تثقل على القدرة في صياغة سياسة أمن قومي ضمن محيط رئيس الحكومة، كما أوصت بزيادة العاملين في ديوان رئيس الوزراء وإنشاء وحدة مراقبة استراتيجية تكون خاضعة لرئيس الحكومة وتساعدهُ على مواجهة المستوى المهني الذي يخدمه.
ب- الوثيقة الثانية عملت على مفهوم الأمن القومي لدولة الاحتلال والثغرات ذات العلاقة بالموضوع والتي تكشفت خلال حرب لبنان الثانية، والاستنتاج الأساسي لهذه الوثيقة هو أن دولة الاحتلال تواجه أزمة في مفهوم أمنها القومي، وكانت التوصيات المركزية في هذه الوثيقة تقضي بتشكيل لجنةٍ خاصة تستكمل مفهوم الأمن القومي وتتابع مسألة تطبيق المفهوم الجديد وتفحص كيفية إدارة الأمور من جانب المستوى السياسي والعسكري.
6- تغير أساسي في الأمن القومي : تطور التهديد السياسي الدبلوماسي ينطوي على أهمية وجودية – إن ضرورة هاتين الوثيقتين اللتين قُدِّمَتا للجنة فينوغراد في موازاة التهديدات العسكرية القائمة التي تواجه دولة الاحتلال، ناجمة عن التطور كما أن هذا التطور ناجم عن دمج بين عدد من التوجهات التي تشمل صعوبة في السيطرة على تهديد سياسي دبلوماسي هام وجودياً في موازاةِ التهديداتِ العسكرية القائمة لدولة الاحتلال على الفلسطينيين وتآكل مبدأ الدولتين للشعبين، ودفع استراتيجية الانهيار من جانب ايران ومشروع المقاومة، وعدم شرعية أساسية لدولة الاحتلال على الساحة الدولية و تدويل قضية عرب 48 وتغيير في ميزان القوى العالمي.
* استنتاجات إدارة السياسة الخارجية
لقد حددت لجنة فينوغراد عدداً من المعايير لإدارة سليمة ضمن الإطار العام وبإجراء اتخاذ القرارات كما حددت اللجنة أيضاً وجوب السعي لتحديد الأهداف والغايات الواضحة القابلة للتطبيق، ورسم خطط عمل لتحقيق هذه الأهداف والغايات والمواجهة الدائمة للمجهول ضمن ظروف متغيرة، وفحص البنى التحتية الحقائقية، والحفاظ على التعددية في التفكير وإيجاد خطة عمل ثابتة مع منطق رئيسي واحد.
صياغة سياسية واضحة تشكل نقطة مناسبة لدراسة بدائل – إذ تؤكد لجنة فينوغراد على ضرورة دراسة بدائل للسياسة الراهنة من هنا فإن وجود سياسة واضحة ومصوغة شرط ضروري لاتخاذ قرارات مناسبة، تجدر الإشارة هنا إلى أن أربع خيبات أمل قد أصابت دولة الاحتلال منذ كانون ثاني 2006 – وحرب لبنان الثانية شكّلت واحداً من الأحداث الهامة على صعيد الأمن القومي، حيث أُصيبت دولة الاحتلال بخيبةِ أمل خلال الأشهر الثمانية عشرة الأخيرة، أما الأحداث الثلاثة الأخرى فهي عدم القدرة على تحقيق الانتصار في القتال حول غزة رغم تفوق عسكري حاسم بتجميد أو إلغاء خطة تجميع المغتصبات رغم كونها سفينة العلم السياسي للحكومة الحالية لضمان مستقبل دولة الاحتلال ، وانتصار حماس في غزة رغم سياسة صهيونية تهدف إلى تحقيق النتيجة العكسية.
من جهة أخرى فإن استمرار الطريق السياسي المسدود الذي نشأ خلال الأعوام الأخيرة من شأنهِ أن يؤدي إلى سيطرة صهيونية مستمرة في الضفة الغربية تعمل على تقويض مبدأ الدولتين للشعبين وتشجيع أولئك الداعين إلى قيام دولة واحدة وفي موازاة ذلك تعزيز التوجه العكسي حيال الاحتلال، حيث أن هذا التوجه يعكس مفهوماً في مشروع المقاومة لدولة الاحتلال بأن المصلحة الإسلامية العربية الفلسطينية هي استمرار السيطرة الصهيونية على السكان الفلسطينيين الأساس لمواصلة النضال ضد دولة الاحتلال لذا فإنهم يعملون لإفشال خطوات سياسية تهدف إلى وضع حد للسيطرة الصهيونية وإقامة دولة فلسطينية، فعلى سبيل المثال قال موسى أبو مرزوق خلال مقابلة معه على موقع حماس بتاريخ 28/5/2007 بأن المقاومة هي السبيل المؤدي إلى تفكيك المشروع الصهيوني وأن انهيار جميع المبادرات السياسية بين دولة الاحتلال والفلسطينيين، وقد تعمل على تقريب هذا الهدف كما أن التآكل في مكانة هذا المبدأ أي دولتين للشعبين متواصل منذ أعوام وآخر ظهور لهذا التوجه هو إحياء فكرة الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية.
على صعيد آخر فإن ايران تشكّل تحدياً معقداً لدولة الاحتلال بسبب الدمج بين تطوير قدرة نووية وبين استراتيجية تدفع نحو انهيار دولة الاحتلال على أساس خطوات مماثلة لتلك التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفيتي وانهيار نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وهذا هو الطرح الوجودي الأول ليس لدولة الاحتلال فيه حدود مع أعدائها يحدث بشكل سياسي على الساحة الدولية، عدا عن أن استراتيجية الانهيار(أي المنطق السياسي لمشروع المقاومة وهذه الاستراتيجية تقوم على الدمج بين تحدي شرعية الاحتلال "وارهاب استراتيجي" والعمل على تقويض الدولتين للشعبين).
ومن جهة أخرى يمكن القول إن أصوات ودعوات الجماعات والتنظيمات خلال الأعوام الأخيرة ضد حق دولة الاحتلال في الوجود تتعاظم، وإشارة هامة إلى هذا النضال هو إعلان المقاطعة الأكاديمية ضد دولة الاحتلال في بريطانيا مؤخراً، ومع أن هذا الحظر يبدو أنه يمثل احتجاجاً على السياسة الصهيونية إلاّ انه من الناحية العملية يشكل تعبيراً اللاسامية الجديدة وصيغة جديدة مناهضة للصهيونية، كما أن مركز الثقل في الأعوام الأخيرة إزاء ما يتعلق بإدارة هذه المسألة يتحرك من دولة الاحتلال إلى الساحة الدولية، حيث تكون عرضة للمراقبة والانتقادات وتَدخلِ أطرافٍ دولية.
وقد أعد مركز ريئوت وثيقة بشأن تدويل مسألة عرب 48 من مسألة داخلية إلى علاقات خارجية مثل بحث مكانة عرب 48 في البرلمان الأوروبي، الجسر عند باب المغاربة، أي الجسر بين عرب 48 والحركة الوطنية الفلسطينية.
على صعيد آخر فإن التآكل في مكانة الولايات المتحدة كقوةٍ عظمى وحيدة وصعود قوى أخرى كالاتحاد الأوروبي روسيا، الصين، الهند ودول أخرى، يلزم دولة الاحتلال بإقامة علاقات متعددة الأبعاد مع هذه الدول دون المس بعلاقاتها مع الولايات المتحدة، لكن هذا تحدّ معقد جداً لأنه لا توجد في هذه الدول جالياتٍ يهوديةٍ قوية ولأن كثيراً من هذه الدول تربطها علاقات متشعبة مع الدول العربية.
ويشير التقرير إلى أن جذور المشكلة البنيوية يعود إلى أسلوب الحكم – إذ ألمحت لجنة فينوغراد عدة مرات في تقريرها المرحلي إلى أن جذر المشكلة هو في أسلوب الحكم في دولة الاحتلال الذي يضع قيوداً بنيوية صعبة على إدارة سياسة الأمن القومي، فعلى سبيل المثال وبشكل عام اثنان من الوزراء الكبار الثلاثة – وزير المالية وزير الخارجية ووزير الدفاع هم خصوم سياسيون لرئيس الحكومة من داخل حزبه، وهذا واقع يصعّب جداً عملية صياغة سياسة موحدة بل تنفيذها أيضاً.
7- من التحديات التي يتناولها التقرير مفهوم الأمن القومي لإسرائيل غير مستكمل – كما هو حال معهد ريئوت فإن لجنة فينوغراد أيضاً توصلت إلى استنتاج بوجوب استكمال مفهوم الأمن القومي لدولة الاحتلال كما جاء في تقرير اللجنة المرحلي - أن أحد الإخفاقات الرئيسية لدولة الاحتلال يكمن في انعدام الاستعداد لاستكمال المفهوم القومي السياسي ضمن المفهوم الواسع لهذا المعنى.
ويوصي المعهد بأهمية تطوير مكانة السياسة الخارجية ووزارة الخارجية – فقد أكد أعضاء لجنة فينوغراد على مدى أهمية البعد السياسي في مجال الأمن القومي، كما انتقدوا طريقة اتخاذ القرارات حتى الآن والتي لم تترجم هذا البعد بشكل ملائم، كما أن هناك فصلاً كاملاً في التقرير المرحلي مكرس لتوصيات مؤسساتية ولتحسين إجراءات اتخاذ القرارات من جانب حكومة دولة الاحتلال، كما يتضمن الفصل أيضاً دعوة إلى تعزيز مجلس الأمن القومي وضرورة التشاور الفعلي مع وزارة الخارجية خلال مناقشات الأمن القومي التي تنطوي على أبعاد سياسية.
كما يذكر التقرير أن لجنة فينوغراد لم تفحص في تقريرها المرحلي أداء وزارة الخارجية لأنه لم يكن موضوع انتقادات عامة شعبية على غرار الانتقادات الموجهة لرئيس الوزراء وزير الحرب وجيش الاحتلال.
ويضيف المعهد أن إجراءات صياغة السياسة الخارجية وإدارتها من جانب حكومة دولة الاحتلال تعاني من عيوب بنيوية عدة، مما يعني أن هذا الواقع يمس بأمن دولة الاحتلال القومي ويعمل على تقويض عملية تطبيق ناجحة لتوصيات اللجنة، كم انه لا يوجد مفهوم أمن قومي واضح ولا عملية تخصيص موارد حكيمة.
على صعيد اخر يرى المعهد أن أزمة هناك أزمة في مفهوم أمن دولة الاحتلال القومي، فبالرغم من أن لجنة فينوغراد أشارت إلى أزمة في مفهوم أمن دولة الاحتلال القومي، إلاّ أنها لم تكن مخوّلة ببلورة مفهوم جديد، ومعهد ريئوت يقول إن توجهات قوية وثابتة تجعل التهديد السياسي الدبلوماسي الرافض لحق دولة الاحتلال في الوجود قاعدة تهديد وجودي.
ويذكر أن حكومة الاحتلال لا تلاحظ بلورة تهديد وجودي في الوسط السياسي الدبلوماسي أي أنه من خلال فحص نظرة حكومة الاحتلال في أعقاب حرب لبنان الثانية على أساس المقولات، الوثائق، الأعمال تقود إلى استنتاج بأن دولة الاحتلال تتعامل وتولي أهمية للتهديد العسكري الأمني على أنه وجودي أي لا تولي أهمية مماثلة للتهديد السياسي الدبلوماسي.
من هنا فإن التحدي السياسي الدبلوماسي لا يحظى بالرد المدعوم. فعلى سبيل المثال تركز عمل لجنة فينوغراد على الوضع بين المستوى العسكري والمستوى السياسي وليس في السياسة الخارجية ووزارة الخارجية كما أنه طرأ تغيير كبير بعد الحرب على كافة المستويات في الجيش ولكن ليس في وزارة الخارجية، عدا عن أن حجم الموارد المقدمة لجيش الدفاع زادت في حين أن ميزانيات السياسة الخارجية لم تراوح مكانها، وعدم تخصيص موارد بشكل حكيم. أي طالما أن مفهوم الأمن القومي غير مُستكمل فإن الرد على التهديدات التي توجه دولة الاحتلال تعاني من خللٍ على مستوى المفهوم وعلى المستوى التنظيمي وتخصيص الموارد أيضاً، أي أن ميزانيات السياسة الخارجية ووزارة الخارجية تتدحرج من عام إلى عام رغم أن خريطة التهديدات لدولة الاحتلال تتغير سريعاً.
ويطرح التقرير تساؤلات حول حجم الموارد المطلوب للسياسة الخارجية والخدمة الخارجية ؟ وكيف ينبغي أن تتم عملية توزيع الممثليات الدبلوماسية ؟ ميزانية وزارة الخارجية حوالي مليار شيقل تشكل ما نسبته 2% من ميزانية جيش الدفاع ( أي دون ميزانية قوات الأمن الأخرى) وإجمالي مستخدمي وزارة الخارجية يُقدر بألف شخص منهم 400 دبلوماسي متواجدون في الخارج ضمن حوالي مئة ممثلية وفي أمريكا الشمالية توجد لدولة الاحتلال احدى عشرة قنصلية وسفارتين وبعثة في الأمم المتحدة في حين يتواجد في استراليا ثلاثة دبلوماسيين فقط أما عدد القانونيين الدوليين في وزارة الخارجية أقل من عشرة.
ويتساءل المعهد هل هذه الأرقام تمثل فائضاً أم نقصاً في الموارد؟ رغم أنه يبدو لنا بأن وزارة الخارجية تعاني من أزمة صعبة في الميزانية إلاّ أن الإجابة حول سؤال الموارد مرتبط بمنافع وأهداف السياسة الخارجية مع الأخذ في الاعتبار كافة الجهات الأخرى ذات العلاقة – مثل وزارة الدفاع والصناعة والتجارة والمالية، وزارة المواصلات، وزارة الشؤون الاستراتيجية أو الموساد إضافة إلى حجم وقوة الجالية اليهودية المحلية وأمور أخرى.
تجدر الإشارة هنا إلى أن أجور موظفي الخدمة الخارجية أثناء تواجدهم في دولة الاحتلال ضئيلة جداً، إذ أن دبلوماسيين قدامى وذوي عائلات يربحون أحياناً أدنى من الأجور المتوسطة أو ضباط صغار في الجيش كما توجد هناك فجوة واضحة بين معدل الأجور وظروف المعيشة لموظفي الخدمة الخارجية أثناء تواجدهم في دولة الاحتلال وبين معدل أجورهم أثناء تواجدهم خارج البلاد، بعبارة أخرى أجور الخدمة الخارجية هي الأدنى بالمقارنة مع مجموعات الأشخاص الرائدة في الجهات العاملة في مجال أمن دولة الاحتلال القومي مما يعني أن هذه القضية تنطوي على أبعاد كبيرة على نوعية وجودة مستخدمي وزارة الخارجية في المستويات الوسطى وعلى قدرة الوزارة في تخصيص مجموعة من الأشخاص تلعب أدواراً ضمن مشروع أمن دولة الاحتلال القومي.
* نقلا عن معهد ريئوت
إعادة تنظيم السياسة الخارجية في المفهوم الصهيوني(الجزء الاول)
26 يونيو/جزيران 2011 الساعة . 05:30 م بتوقيت القدس