غزة- لم يكن سهلاّ البتّة أن ندير رقمه طالبين ساعة من وقته, فصاحب الرقم دائم الانشغال وبالكاد يجد دقائق يخلو بها مع نفسه, غير أننا لم نستسلم وأدرّنا قرص الهاتف مرارا وتكرارا إلى أن هطل مطر الترحيب.
وبالرغم من انشغالاته وكثرة الوفود والقضايا التي تغدو وتروح بين يديه جلس "إسماعيل هنية" رئيس الوزراء في الحكومة الفلسطينية بغزة يتحدث لشبكة "أون إسلام" عن مستجدات الساحة الفلسطينية والعربية والدولية.
وفي مكتبه المتواضع بغزة وغرفته الصغيرة المزدانة بالمصاحف والكتب الإسلامية والعلم الفلسطيني, والطاولة تنضح بأوراق الهموم والتفاصيل اليومية، تحدث هنية عن أحدث أخبار المصالحة مع حركة فتح، ومؤكدا على أن التوصل لمصالحة فلسطينية ربما من شأنه أن يخفف الاحتقان في الساحة الفلسطينية، ملمحا في الوقت نفسه إلى أن الملف الأمني يشكل العقبة الرئيسية أمام اتمام المصالحة.
كما تحدث عن الاتصالات الغربية مع حركة حماس، فكشف أن هذه الاتصالات آخذة في التزايد في الفترة الراهنة، مطالبا الدول الأوروبية باحترام نتائج أي انتخابات فلسطينية مقبلة، والعدول عن موقفها الرافض للتعامل مع حماس رغم فوزها بالأغلبية في الانتخابات التشريعية عام 2006.
وعن استعداد حركة حماس للاحتكام إلى صناديق الاقتراع من جديد قال إن الحركة ستشارك بالانتخابات و"لكن بطريقة مختلفة" عن السابق خصوصا من حيث اختيار مرشحيها, كما كشف عن رؤية حماس لمجمل القضايا العالقة ومن بينها تلويح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بالاستقالة مؤخرا حيث اعتبر في هذا الصدد أن أبو مازن حاليا في حالة "شلل سياسي".
وفيما يلي نص الحوار:
مؤخرا كشفت مصادر فلسطينية عن أن دائرة الاتصالات الدولية مع حركة حماس اتسعت.. وأن وفدا دوليا يستعد لترتيب لقاء مع خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة.. إلى أين وصلت هذه الاتصالات وما الذي ستطرحه الحركة من قضايا خلال هذه اللقاءات؟
الاتصالات من قبل الأوروبيين مع حركة حماس زادت وتيرتها في الفترة الماضية.. وهذا باعتقادي يعود إلي سببين: الأول إدراك الأوروبيين خطأ الموقف الذي اتخذوه بعد الانتخابات (التشريعية في 2006) من فوز حركة حماس, والثاني قناعتهم بأن حماس جزء من المكون الأساسي في الساحة الفلسطينية, ولا بد من التحدث معها كقوة موجودة إلي جانب حركة فتح بشكل أو بآخر.
حتى في عملية السلام نفسها وعملية التسوية هم يبحثون عن حركة حماس وقد لا ينجح ما يصبون إليه إذا بقيت حماس خارج إطار التفاهمات المباشرة معها لذلك هناك لقاءات أحيانا تجري بغزة وأحيانا بدمشق وأحيانا تجري في بعض الدول الأوروبية نفسها، قبل عامين أو قبل الحرب بقليل كان هناك لقاء بقيادة الحركة من الداخل والخارج مع وفد أوروبي في بعض العواصم الأوروبية لذلك من المتوقع لهذه العلاقة أن تنفتح أكثر وخاصة أن هناك رأيا عاما يتشكل داخل المجتمعات الأوروبية بضرورة أن تعيد الحكومات الأوروبية النظر في مسألة تصنيف حركة حماس من المنظمات الإرهابية كما تريد أمريكا, وهناك العديد من الحقوقيين والمفكرين وبعض السياسيين في أوروبا يطالبون بإدراج هذا الموضوع على جدول أعمال البحث وربما هذا الأمر يشكل اندفاعا باتجاه هذه العملية.
إنهاء الاحتلال
إذن دعنا نسأل ما القضية المركزية التي ربما تُطرح في اللقاء القادم مع الأوروبيين من قبل حركة حماس؟
القضية المركزية بالنسبة لحركة حماس هي إنهاء الاحتلال عن الأرض الفلسطينية لأنّ جوهر الإشكال الذي يعاني منه شبعنا هو الاحتلال.. وحماس كحركة مقاومة مثلها مثل فصائل أخرى تريد إنهاء هذا الاحتلال بما يتماشى الآن مع متطلبات الحديث عن إقامة دولة فلسطينية علي حدود 67 وعاصمتها القدس وتحتفظ حماس بإستراتيجيتها.
النقطة الثانية مسألة حصار قطاع غزة هذا الحصار الذي يفترض على أوروبا ألا تظل صامتة وساكتة أمامه باعتباره جريمة إنسانية.. كما سنركز على ضرورة إعادة النظر في أوروبا بنتائج الانتخابات الفلسطينية.. بمعنى لو جرت انتخابات كيف يمكن لنا أن نضمن احترام نتائج هذه الانتخابات مجددا.. على أوروبا ألا تعيد الموقف وألا تكرر التجربة مع أي انتخابات قادمة.
كما أنه بالتأكيد حماس ستقول للأوروبيين ليس لدينا أي مانع من الحوار مع الدول الأوروبية، وليس لدينا أي مانع من تعزيز التواصل وتعزيز هذه العلاقات بما يخدم المصالح المتبادلة.
هل لكم موقف من الحوار مع الإدارة الأمريكية؟
بالرغم من أننا نعتبر الإدارة الأمريكية والإدارات المتعاقبة حليفا للأسف الشديد مع الاحتلال الإسرائيلي, وتقف دائما حجر عثرة أمام المواقف الدولية الداعمة للقضية الفلسطينية عبر الفيتو الأمريكي.. والتسليح الإسرائيلي الذي يستخدم في الحروب ضد الشعب الفلسطيني والمنطقة معظمه من الأمريكان.
ولكن بالرغم من موقفنا الرافض للانحياز المطلق من الإدارة الأمريكية للاحتلال الإسرائيلي لا نمانع أن يكون هناك حوار معها بشرط أن يخدم المصالح الفلسطينية وبما يعزز من حضور الحقوق والثوابت الفلسطينية في هذا الحوار.
الجلسة الثانية من حوار المصالحة ستعقد 20 الشهر الجاري.. هل ستشهد هذه الجلسة التوصل إلى "اتفاق نهائي" واستكمال لكافة قضايا الخلاف؟
نتمنى ذلك.. ولكن لنكن صريحين الملف الأمني يحتاج لمزيد من النقاش لكي نتوصل إلى تفاهمات محددة.. نحن نتكلم عن الوضع الأمني في الضفة الغربية وقطاع غزة وهذا ربما من القضايا الأساسية التي ستكون مدار البحث, وبالنسبة للقضايا الأخرى فتقريبا جرى شكل من أشكال التفاهم بشأنها مع بقاء بعض التفاصيل التي تحتاج إنضاج في الجلسة القادمة، ونؤكد أنه إذا جاءت حركة فتح إلى هذه الجلسة ولديها استعداد لشراكة أمنية حقيقية وشراكة سياسية حقيقية فنعتقد أنه لربما يحدث اختراق في ملف المصالحة.
اعتقال الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية لعناصر وكوادر حركة حماس بأي إطار تصنفونه؟؟
للأسف استباق وفي نفس الوقت ترجمة لسياسات مقيتة لأنّ الاعتقالات مستمرة وهي غير مرتبطة بالمصالحة منذ سنتين أو ثلاثة والاعتقالات لا تتوقف في الضفة الغربية وزاد الطين بله مسألة الاندماجات الأمنية وهو أخطر من التعاون الأمني حيث إن عمليات الاغتيال الأخيرة لقيادات كتائب القسام في الضفة الغربية جاءت نتاج لهذا الاندماج ولهذا التعاون الذي فاق الحدود.
ونحن نرى أن هذا الشيء يُثقل علي ملف المصالحة لكن ما زلنا نقول بأن التوصل إلى مصالحة فلسطينية ربما من شأنه أن يخفف الاحتقان في الضفة الغربية والساحة الفلسطينية بشكل عام.
البعض يرى أن حماس تعيش مرحلة تناقض مع نفسها تريد حوارا.. كما تريد مصالحة وفي نفس الوقت يُمارس ضدها قضايا كثيرة وتحديداً في الضفة من ترهيب وقتل ومشاركة في جرائم الاحتلال.. هل من تفسير؟؟
لا نريد تسمية ذلك بالتناقض.. إذا قلنا بأن المصالحة في أحد أهدافها الرئيسية تريد إنهاء هذا الوضع الشائك في الضفة الغربية وبأن استمرار الانقسام الفلسطيني من شأنه أن يعمق هذا الوضع في الضفة وأن يسحب طرفاً فلسطينيا أكثر إلى مربع التعامل مع الاحتلال.. لذلك نحن نقول ربما إن المصالحة والتوصل إلى حكومة وحدة والعمل ضمن أجهزة أمنية مشتركة وبرنامج وطني مشترك من شأنه أن يضع حدا لهذا التغول من قبل أجهزة السلطة على حركة حماس فهذا ليس تناقضا والمصالحة بالأساس تستهدف تغيير هذا الوضع الشائك بالضفة.
البعض يرى أن الأجدر بحماس السعي بكل ما أوتيت إلى ضم كل أطراف الساحة الفلسطينية وأن تكون صاحبة السبق في توحيد الصف؟
هذا صحيح وهو أصل الحوار الذي جري في القاهرة علي مدار شهور شاركت فيه كافة الفصائل الفلسطينية ونتائج الحوار حتى بين فتح وحماس تنتقل إلى الحوار الوطني الشامل، فحماس تؤكد علي ضرورة أن يكون الحوار شاملاً وأن تشارك فيه كافة القوى والفصائل الوطنية.
وحماس تسعى باعتبارها شريكا في النظام السياسي مع فتح إلى حل هذه الإشكالية ثم الانتقال إلى لملمة الصف وتوحيد كافة الجهود.
"شلل سياسي"
رئيس سلطة فتح محمود عباس لوح في أكثر من مناسبة بورقة الاستقالة.. ماذا تعني الاستقالة بالنسبة لحركة حماس؟
للأسف التلويح بالاستقالة مع عدم اللجوء إليها لا يعني شيئا بالنسبة للشعب الفلسطيني وعلى أغلب تقدير أبو مازن لن يستقيل ولن يوقع ولن يقاوم.. هو يعيش في مرحلة شلل سياسي.
لا يمكنه أن يوقع على اتفاقية تنتقص من الحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني ولا يقوى على حماية هذا الاتفاق أو تسويقه، وفي نفس الوقت هو لا يؤمن بإستراتيجية المقاومة على الإطلاق لأنّ خياره الاستراتيجي التفاوض، كما أنه لا يريد أن يترك السلطة ويريد أن يُبقي حركة فتح متقلدة لزمام الأمور.
لو جرت انتخابات هل ستشارك حركة حماس فيها وإلى أين ستسير اتجاهات صناديق الاقتراع برأيكم هذه المرة؟
لقد شاركنا بالانتخابات الماضية عن قناعة وبعد دراسة معمقة وجدنا أن من مصلحة الشعب الفلسطيني المشاركة في هذه الانتخابات لحماية الحقوق والقضية ولحماية مشروع المقاومة.
وفي أي انتخابات جديدة ستكون لنا مشاركة فاعلة، ولكن قد تختلف مشاركتنا الجديدة عن القديمة في طريقة اختيار المرشحين للانتخابات فيها بحيث تكون الشخصيات المشاركة في الانتخابات مختلفة عن طبيعة الشخصيات التي شاركت في انتخابات عام 2006.
ونحن نثق بالشعب الفلسطيني واختياره وسننتظر ما ستعلنه نتائج الانتخابات.. لقد قدمنا نموذجا مختلفا في الحكم عن النماذج السابقة، فقد شكلنا نموذجاً للحكم الرشيد، وبذلنا جهدنا خدمة للوطن وللمواطن وأرسينا قواعد العدالة والمساواة بعيدا عن المحسوبية والفساد.
قمة سرت وقمم سابقة ولاحقة والنتيجة واحدة.. ما الرسالة التي وجهتموها لقادة العرب؟؟
كنا نأمل من القمة العربية الاستثنائية في مدينة سرت الليبية اتخاذ قرارات بقدر متطلبات الشعب الفلسطيني وتكون فاعلة وحاسمة بخصوص الوضع الفلسطيني وتعزز من صموده والوقوف معه بوجه الغطرسة الصهيونية.
كما أنّ سياسة الاعتداءات وتغيير معالم القدس والأرض وتواصل الحصار يتطلب من قادة العرب قرارات واضحة حاسمة للخروج من حالة الشلل السياسي والدائرة المفرغة التي يتحركون بها, وكنا نأمل أن تخرج القمة بقرارات واضحة بشأن المفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل.
أخيرا.. وبعيدا عن السياسة وهمومها كيف يقضي إسماعيل هنية يومه؟؟
يبتسم بإشراق: أبدا يومي بصلاة الفجر، وأحرص على أن أتواصل مع أهلي وأحفادي في البيت، وأبذل قصارى جهدي لزيارة الأهل والأرحام من الأخوات والعمات والإخوة والأقارب في المناسبات، كذلك أشارك في الندوات واللقاءات العامة والاحتفالات، وأشارك الجيران والأصحاب والناس أفراحهم وأتراحهم، ومواسمهم.
ولا يخلو يومي من قسط أخصصه للرياضة حتى ولو كان ليـلا لضيق وقتي وانشغالي الدائم في ساعات النهار.
المصدر: أون إسلام.نت