الشهيد فارس إسماعيل العشي .. شهيد المهمات الخاصة

10 أكتوبر/تشرين الأول 2007 الساعة . 12:00 ص   بتوقيت القدس

ما أعظمك أيها الشهيد وأنت ترتقي إلى العلا لتلقى الحور في جنان الخلد تمرح مع الخالدين .. الروح والرياحين تشتاق إليك .. وأنت أعلنت الرحيل وتركت القلوب تنفطر عليك ... تشرق النفس عبيرها لتشتم من عبق الشهادة ونورها .. قصتنا اليوم مع الشهيد المغوار فارس إسماعيل علي العشي "34 عاماً" مدير دائرة هندسة المتفجرات في الشرطة الفلسطينية .. والذي أدرك خطاه وطريقه إلى الجنة، فلم يكن يلقي بالاً لأمور الدنيا وكان همه هو الفوز برضا ربه لينال الشهادة في سبيله بعد أن قضى حياته في خدمة دينه ووطنه ويترجل فارسنا عن جواده في لحظة غدر صهيونية بشعة على قطاع غزة. الابن الصالح البار أبصر شهيدنا فارس العشي النور في مدينة غزة التي تعود أصوله إليها بتاريخ 2/10/1976م حتى الثالثة من العمر لينتقل بعدها ويقيم ويواصل حياته في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهناك أتم تعليمه الابتدائي والإعدادي والمرحلة الأولى من التعليم الثانوي، ليعود مع أهله إلى مدينة غزة عام 1993، ليعد نفسه ليكون رجلا من الذين يدافعون عن فلسطين ويستردونها من أيدي اليهود المحتلين الغاصبين. وتقول والدة الشهيد فارس التي أوجعها ألم فراقه إن شهيدنا نشأ وترعرع في غزة بين أحضان أسرة مؤمنة بالله محافظة على الدين، يتمتع بالنجابة والشعور بالمسئولية والقدرة على الإبداع والتفكير الخلاق منذ نعومة أظفاره، وتضيف: "كان محبوبا من جميع أقرانه ومن هم أكبر منه في السن، وأثر في تربيته حياة أجداده الذين تربى في كنفهم في سنوات عمره الأولى، ما أكسبه المزيد من الحكمة والصبر والكثير من الصفات التي ميزته عن أترابه وأبناء جيله. وتميز الشهيد رحمه الله في فترة طفولته عن أقرانه برجاحة العقل وسعة الفكر، والصمت والتدبر، كما تقول والدته: "فلم يكن كبقية أبناء جيله، يلعب ويجري ويلهو هنا وهناك، ولكن كان يتخير طريقة اللعب واللهو، وكان رحمه الله برغم ذلك مقربا ممن هم أكبر منه سنا، وكان يربط بينه وبينهم علاقات وثيقة، كيف لا وقد كان يتميز ببلاغة حديثه وفصاحة لسانه وقوة حجته". وعن بره بوالديه قالت أم فارس: "كانت تربطنا علاقة مميزة قائمة على الحب والاحترام والتقدير والتبجيل والإيثار، فقد كان يحرص على إرضاء والده ورسم البسمة على وجوهنا في كل وقت وفي أي مناسبة، كما ساهم بشكل كبير في تلبية جميع رغباتنا ومتطلباتنا حتى على حساب نفسه وذلك لأنه تربى تربية صالحة نابعة من أصول الدين الإسلامي القويم". وتواصل وهي تحاول أن تمنع دمعة اشتياق أن تسيل: "كان رحمه الله نموذجا فريدا للشاب المؤمن الملتزم، والابن الصالح البار، ومن أجمل المواقف التي أذكرها ولا أنساها يوم إعلان اسمي واسمه ضمن قائمة حجاج بيت الله الحرام لعام 2006 فقد كانت مفاجأة خبأها لي، حيث مكنني الله سبحانه وتعالى من تأدية فريضة الحج آنذاك على نفقته". وتتابع والدموع تسيل على وجنتيها: "جمع بيننا خلال تلك الرحلة الروحانية العديد من المواقف والذكريات الجميلة والمميزة". لم يكن بر شهيدنا مقصورا على والديه فقط، بل أصر رحمه الله في آخر رمضان أدركه في حياته على أن يعد إفطاراً جماعيا عن روح أجداده الموتى وأن يوزعها بنفسه على الجميع في بيوتهم، ولم يكن يدر بأنه بعد أشهر قليلة سيدفن مع جده العطوف والغالي عليه. تميز وإبداع وعن معاملته لإخوانه وأهله تحدث شقيق الشهيد الأصغر محمد, قائلاً: "لم يكن الشهيد رحمه الله أخا، بقدر ما كان أبا ومربيا وموجها وناصحا أمينا، وذلك بسبب تواجد والده خارج الأراضي الفلسطينية وانتقال مسئولية متابعة الأبناء والأسرة للشهيد منذ سن مبكرة وهو لم يتجاوز السادسة عشرة بعد"، ويضيف: "كان رحمه الله على قدر المسئولية ولم يتذمر أبدا أو يتهرب من مسئولياته تجاه أمه وإخوانه، فكان شمعة تذوب أمامهم لتنير لهم دروب حياتهم وتكسوها بالبهجة والفرحة والأمان والاطمئنان، ومثل غيابه رحمه الله نفس الألم الذي يشعر به الطفل اليتيم الذي يفقد أبويه". وتميزت علاقة شهيدنا المقدام بجيرانه وأقربائه بالمودة وحسن المعاملة، فرغم أن فارس رحمه الله لم يمكث في بيته الجديد سوى أربعين يوما، إلا أنه ترك بصمة واضحة في حياة كل من عرفه، والذين ذرفوا عليه الدموع بألم وحرقة لدى معرفتهم باستشهاده، حيث يقول أحدهم: "والله لقد ترك فينا آثارا لم نجدها من غيره"، وآخر يقول: "لقد بكينا عليه بكاءً لم نبكه على أحد قط، فقد كان رحيما وعطوفا ويمتلك حساً نادراً من النخوة والشهامة تجاه المسكين والضعيف سواء من الأقارب أو الأصدقاء أو الجيران أو حتى الغرباء". وتحدثنا عمته قائلة: "لقد كنت أشعر بحياته وكأني أرتكز على جبل منيع، فكان له رحمه الله في كل دروب الخير وأبوابه باع كبير يشهد له في ذلك الكبير والصغير، والبعيد والقريب، وكل من عرفه أو حتى اجتمع به لدقائق معدودة، وفي آخر عيد أضحى شهده رحمه الله بعد أن حضر ذبح أضحيته، قام بتوزيع جلها بنفسه على الأقارب والفقراء والمتحاجين، ولم يدخل بيته حتى أنجز هذه المهمة كاملة". ويضيف شقيقه محمد: "لقد استشعر الشهيد فارس رحمه الله المعنى الصادق لقوله صلى الله عليه وسلم عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ومنهم شاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، فكان يحرص منذ صغره وحتى آخر أيامه على تأدية الصلوات المفروضة في المسجد جماعة، وكان يحرص على حفظ القرآن وتلاوته، والسير على نهج النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، ولم نكد ندرك عليه تغيبه عن صلاة الفجر أو صلاة العشاء في المسجد". أتم شهيدنا فارس دراسته الابتدائية والإعدادية أثناء وجوده في الإمارات في المعهد الإسلامي، ما أكسبه الكثير من السلوكيات الطيبة والقيم العظيمة التي رفعت من شأنه وزادته وقارا وهيبة ومحبة من الجميع، فقد كان صادقا ومخلصا ووفيا، كما كان يهتم بشئون الضعفاء من زملاء الدراسة وأصحاب الاحتياجات الخاصة، وكان لا يقصر معهم في شيء، كما وهبه الله سبحانه وتعالى مقدرة عالية على التفوق في المدرسة بأقل قدر ممكن من الدراسة أو المراجعة، حيث تمكن من اجتياز مرحلة الثاني الثانوي في الدراسات الخاصة آنذاك وحصل على المرتبة الأولى من بين طلبة مدرسته، وكذلك تفوق في الثانوية العامة ولم يدرس سوى آخر شهر، حيث حرم من فرصة التعليم الطبيعي بسبب عمله. ولم تكن حياة الشهيد خلال المرحلة الجامعية كبقية الطلبة، خاصة أنه كان على رأس عمله في الشرطة ضمن إدارة هندسة المتفجرات، حيث أصر على دراسة القانون والحقوق في جامعة الأزهر، ولم يكن بمقدوره متابعة المحاضرات كغيره من الطلبة المتفرغين، كما انقطع عن الدراسة لفترة طويلة، ووضعت العراقيل في طريقه من مسئوليه لتخوفهم من أن ينجح في اتمام دراسته ويتفوق عليهم مستقبلا، ولكن أمر الله نافذ، حيث تعرض لحادث سير خلال عمله وحصل على إجازة مرضية لفترة طويلة تمكن خلالها من إتمام دراسته الجامعية، وكان معظم زملائه في الدراسة ممن يصغرونه بسنوات كثيرة، ولكنهم كانوا يحبونه ويحترمونه ويجلونه ويثقون به لأبعد الحدود، وكذلك حصل على التقدير والاحترام من مدرسيه الذين قدروا إصراره على الدراسة والنجاح بالرغم من الآلام التي كان يشعر بها في كتفه التي خلعت خلال حادث السير، وقد نجح في تحقيق حلم حياته رحمه الله وحصل على ليسانس الحقوق. كفاءة عالية مدحت البطش رفيق دربه وزميله في العمل حدثنا عن حياة الشهيد العملية، قائلاً: "كان رحمه الله مميزا في كل شيء، حتى عندما أراد أن يختار مجال العمل، لم يعجبه إلا مجال العمل في هندسة المتفجرات عام 1995م، وعمل كهذا يتطلب من صاحبه القوة والجرأة والشجاعة والصبر والحكمة، وجميع هذه الصفات كانت متوفرة في شخص الشهيد رحمه الله، فكان يؤدي عمله بكفاءة عالية ومهارة مميزة أكسبته احترام جميع من عرفه وتعامل معه، وكان لا يمانع من تعريض نفسه للخطر من أجل رسم بسمة الرضا والأمان على شفاه جميع من حوله. وأضاف: "بعد أن طهر الله سبحانه وتعالى قطاع غزة من دنس زمرة العهد البائد، بقي الشهيد رحمه الله على رأس عمله إيمانا منه بأن اختصاصه خارج أي تجاذب سياسي، ولا يمكن إنجازه إلا بأيدي الخبراء والمختصين وليس كبقية الاختصاصات الأخرى، لذا لم يتردد وبقي على رأس عمله، وهو ما قوبل بترقين قيده وتجميده وحرمانه من راتبه ومستحقاته من الحكومة السابقة، ولكنه لم يأبه بذلك واستمر على رأس عمله، حيث أنه عمل وقتها كمسير لهندسة المتفجرات وأنجز خلالها العديد من المهمات الحساسة والصعبة والمميزة، وأبطل العديد من مخلفات الاحتلال الصهيوني والعبوات التي كان يزرعها العملاء وأعوانهم في القطاع، وتقديرا لجهوده في خدمة الشرطة والوطن والمواطن، قرر وزير الداخلية الشهيد سعيد صيام رحمه الله أن يتم ترقية الشهيد إلى رتبة نقيب ويكلف بإدارة هندسة المتفجرات". ونجح رحمه الله في إعداد إدارة مستقلة ضم إليها العديد من العناصر المميزين الذين تلقوا على يديه وزميله البطش التدريب في آلية التعامل مع المتفجرات وكيفية إبطالها إلى جانب التحقيق ما بعد الانفجار وجمع الأدلة والتعرف على طبيعة العبوات والمواد المتفجرة، وقام رحمه الله بتكوين فرق عمل لإدارة هندسة المتفجرات في المنطقة الجنوبية، والوسطى، وشمال غزة، وفريق غزة الرئيسي، وتلقوا على يديه أفضل التدريبات التي أهلتهم لاقتحام مجال العمل والحياة المهنية بكل كفاءة ومقدرة، فكان نعم القائد ونعم المربي، ونعم الأخ والأب، وكان حريصا كل الحرص على أبنائه في هندسة المتفجرات وعلى مقدرات العمل، وكان دائم الاهتمام بهم وحريص على رعايتهم في كل وقت ومناسبة حتى في حياتهم الخاصة. ولم تختلف صفات الشهيد في حياته الخاصة عن صفاته في عمله وحياته المهنية، بل تعززت وربت، حيث كان الشهيد رحمه الله قدوة يحتذى بها في الإدارة والريادة والقيادة، وكانت تربط بينه وبين زملائه في الشرطة ومختلف الأجهزة الأمنية والقيادات والعناصر علاقات متينة ووثيقة مبنية على المحبة والتقدير والاحترام، وكان معروفا بين الجميع بخلقه وكفاءته وقدراته ورجولته ونبله، وكان الشهيد رحمه الله المصنف رقم ( 1 ) بين ضباط الشرطة ومدراء الإدارات في المجال المهني العملي والميداني، ونال شرف التميز بهذه المكانة بجهوده وإخلاصه وعطائه اللا محدود. إبطال عبوات تفجير وأشار البطش إلى أن الشهيد رحمه الله كان مميزا في عمله وعلى درجة عالية من الخبرة والكفاءة، فقد حصل على العديد من الكورسات التدريبية في الولايات المتحدة الأمريكية في الحكومة السابقة، كما حصل على العديد من التدريبات العملية على أيدي الأوروبيين في غزة، وكان رحمه الله الرجل المناسب في المكان المناسب، فقد كان حكيما وجريئا بلا اندفاع أو تهور، وكان إلى جانب عمله كمدير لهندسة المتفجرات، مدربا في معهد الشرطة، وذلك ما أكسبه شعبية بين صفوف العسكر وزاد من رصيد معارفه وعلاقاته وزاد من محبة الجميع له وإعجابهم به. واستذكر البطش للشهيد فارس العديد من الوقفات المميزة في حياته المهنية، حيث كان في رمضان 2007 في زيارة رحم لدى إحدى عماته بعد صلاة التراويح، وجاءه اتصال وقتها عن وجود جسم مشبوه في الجهة الشرقية من المجلس التشريعي، فانطلق رحمه الله فورا لتأدية المهمة، وفوجئ بأنه يتعامل مع عبوة موقتة قد تنفجر في أية لحظة، فتحرك سريعا رحمه الله وتعامل معها بشكل فوري وأبطلها وسيطر عليها، حيث كان يتوقع في حال انفجارها حدوث دمار كبير في منازل المواطنين في المنطقة المحيطة إلى جانب الجهة الشمالية من مبنى المجلس التشريعي، وعلى إثر هذه الحادثة تم تكريمه من وزير الداخلية وترقيته وتكليفه بإدارة هندسة المتفجرات تقديرا لجهوده. وعن أهم الأعمال التي قام بها الشهيد ذكر مدحت أن الشهيد عمل مديرا لهندسة المتفجرات وعمل على تأسيس إدارة مستقلة لهندسة المتفجرات وفرق للعمل في محافظات القطاع، كما عمل أيضا مدرسا في معهد الشرطة، وقام بانجاز تقرير إدانة الاحتلال في جريمة عائلة العثامنة والذي قدمه للجنة تقصي الحقائق التي ترأسها القس ديزموند توتو، وعلى أثرها أدانت اللجنة الدولية الاحتلال الصهيوني. وذكر البطش: يرجع للشهيد الفضل بعد الله عز وجل في التعرف على مدبر ومجهز حقيبة تفجير حفل تكريم حجاج بيت الله الحرام مع موكب رئيس الوزراء. كما تعرف على معد ومجهز العديد من عبوات التفجير الداخلية والسيطرة عليها وإبطالها وإتلافها، وكذلك تمكن الشهيد من خلال عمله السيطرة على القنبلة ( 250 كجم ) التي أطلقت على مبنى وزارة الداخلية وإبطالها وإتلافها، بالإضافة إلى السيطرة على عشرات العبوات والأجسام المشبوهة التي كانت تزرع في مختلف مناطق القطاع والعمل على إبطالها، إلى جانب إتلاف مئات الكيلوجرامات من مخلفات الاحتلال والعبوات المصنعة داخليا وتخليص المواطنين من خطرها. وترجل البطل المقدام ويحدثنا محمد عن شقيقه شهيدنا البطل فارس في آخر أيامه قائلا: "كان هناك العديد من الإرهاصات التي بشرت بقرب موعد استشهاده رحمه الله، أبرزها أنه رحمه الله ليلة استشهاده سهر مع أفراد عائلته قائلا: يبدو أن الرحيل قد أزف، وابتسم وضحك، وفي صبيحة يوم السبت 27/12/2008 كان رحمه الله مريض ومجاز، ولكنه آثر أن ينطلق إلى عمله لينجز خطة طوارئ كان قد أعدها لهذا الغرض، ليفاجئ الجميع بدوامه فأخبروه بأنهم سيقومون بإخلاء المبنى بعد لحظات، وأثناء ذلك بدأت العملية العسكرية وقد نجح هو وأبنائه بالخروج من الجوازات ولكنه علم بوجود أحد أبنائه من فريق الهندسة بالداخل فعاد وأخرج أمانة كانت بحوزته لأحد أقاربه وعندما هم بركوب سيارته لمغادرة الجوازات أصيب بشظية في رأسه منطقة الدماغ، فسقط على الأرض مضرجا بدمائه، وتم نقله بعدها إلى مستشفى الشفاء. بعد استشهاده رحمه الله تم دفنه في قبر جده رحمه الله، وقد نبتت بعد استشهاده بفترة شجيرات من السدر خرجت من أنحاء متفرقة من قبره رحمه الله، ورآه العشرات في العديد من الرؤى الصالحة من أقاربه وأصحابه وأصدقائه وبعض الغرباء، رأوه في رؤى صالحة تدلل على النعيم والكرامة التي مني بها بعد استشهاده رحمه الله، ووهبه الله غلاما بعد سبعة اشهر من استشهاده سمي على اسم والده واسم الحرب (فارس الفرقان).