الوسطى / خاص بالداخلية
منذ نعومة أظفارهم يحلمون برؤية قراهم وأرضهم المغتصبة منذ عقود من الزمان .. ولدوا وترعرعوا بعيداً عن هواء أرضهم العليل ونسمات ربيعها وأصوات عصافيرها .. إنهم شهداء فلسطين فالحديث عن حياتهم في سيرة مقتضبة لا تكفي لسرد تفاصيل تضحياتهم وبذلهم الغالي والنفيس .
حديثنا اليوم عن فارس مقدام روى بدمائه الزكية أرض الإسراء والمعراج فحاز شرف المقاومة ووسام البطولة والفداء إنه المساعد أول محمد سالم أبو عابدة أحد شهداء معركة الفرقان .
شهيد الفرقان
في السابع والعشرين من كانون أول / ديسمبر قبل ثلاث سنوات خرج "أبو عابدة" صاحب الـ29 ربيعاً من عمره إلى مكان عمله كعادته كل صباح .. توجه من منزله بمخيم البريج نحو موقع أبو مدين الشرطي .
دقت الساعة 11:25 دقيقة من صباح ذلك اليوم الأسود في تاريخ الشعب الفلسطيني فحامت الغربان الصهيونية في السماء وقذفت بحمم غدرها أكثر من 60 موقعاً أمنياً ومركزاً شرطياً في قطاع غزة فسقط الشهداء بالعشرات واكتظت المشافي بالجرحى والإصابات – فالاستهداف جاء في وقت الذروة آنذاك - .
كان شهيدنا المساعد أول أبو عابدة من بين عشرات من رجال الشرطة ممن قضوا تحت أنقاض مركز أبو مدين في المحافظة الوسطى فعطر بدمائه الزكية أرضه بعد مسيرة خالدة من المقاومة والصمود والثبات .
قرر شهيدنا أبو عابدة قبل ارتقائه بفترة وجيزة استكمال دراسته العليا بعد حصوله على شهادة الثانوية العامة "التوجيهي" في سن متقدم فحلمه أن يكمل دراسته في الكلية الجامعية للعوم التطبيقية في غزة ولكنه لم يكمل فقد ظفر بالشهادة قبل دخول الجامعة بوقت قصير.
المولد والنشأة
ولد شهيدنا الشرطي في الرابع من تشرين أول / أكتوبر 1979م في مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة لعائلة هجرت إثر نكبة عام 48 من مدينة بئر السبع جنوب الأراضي الفلسطينية المحتلة .
نشأ أبو عابدة وترعرع في بيت ملؤه الدفء والحب والحنان وطاعة الرحمن والعمل على ما يرضيه، فكان أول فرحة ذويه والبكر الذي أدخل السرور والبهجة على العائلة الغزية الصامدة .
وتلقى شهيدنا الهمام تعليمه الأساسي والثانوي بمدرسة البريج الابتدائية للذكور "أ" وظهر ذكائه وتميز في دراسته منذ المرحلة الابتدائية.
يقول والده واصفاً حياته في الصغر "كان منذ نعومة أظافره يحب الله كثيراً وخاصة الألعاب التي تشمل استخدام "الأسلحة الخشبية" لما كان يرى من واقع حياة في المجتمع الفلسطيني نتيجة الاحتلال".
ويصف أبو محمد معاملة نجله البكر له ولوالداته بقوله "كان يعاملني ووالدته باحترام وأدب ويحرص على عد إغضابنا".
ويضيف "كما كان رحمه الله يعامل إخوانه بمحبة وعطف طيب القلب يحب أن يرى من أشقائه كامل علامات الالتزام والتربية" .
وتابع والده الذي بدت علامات الحزن على وجهه لفراقه نجله "كان يحب الالتزام لجميع أهله كثيراً في أمور العبادة والصلاة وعلم طفلته حينما بلغت السابعة من عمرها أمور الصلاة والصيام وألبسها الحجاب حباً في طاعة الله"، كما قال أبو محمد .
وعن معاملة الشهيد محمد بأقربائه وجيران السكن في البريج، أوضح الوالد أن نجله ارتبط بعلاقة وثيقة وطيبة مع جميع جيرانه، مستطرداً "كانت علاقة تقوم على المحبة والاحترام المتبادل والألفة .. يبر أهله وجيرانه في كل وقت".
علاقته بالأهل والجيران
وأردف والد الشهيد أبو عابدة "كان يحترم جيرانه كثيراً يحبهم ويحبونه لعدم مضايقته أحد منذ صغره لا بكلامه ولا بفعله ولا يؤذي أيا كان ويحاول مساعدة الجميع بقدر استطاعته".
وبالنسبة للمرحلة الدراسية، أشار أهله إلى مواظبة نجلهم الشهيد "محمد" – رحمه الله – على الذهاب للمدرسة بانتظام منذ المرحلة الابتدائية، مستدركاً "كان يواظب على دروسه يومياً إلى في الأيام التي كان يفرض الاحتلال فيها منعاً للتجول" .
وعن سلوكه في مختلف المراحل الدراسية، تصف أسرته ذلك "كان في المرحلة الإعدادية أكثر نضوجاً ووعياً لما يحدث من حوله ما ترتكبه قوات الاحتلال بحق أبناء شعبه خلال الانتفاضة الأولى" .
امتاز "محمد" بقوة إرادته وعزيمته وإصراره ومثابرته على العمل والإخلاص والتفاني في أداء المهام التي توكل إليه.
فشهيدنا أبو عابدة عمل في وزارة الداخلية وحاز رتبة مساعد أول لكن يبدو أنه طمع بالرتب العليا في الآخرة بعد جهد كبير ومضني وإخلاص متنامي في عمله ضمن صفوف الشرطة الفلسطينية على مدار سنوات سبقت ارتقاءه في معركة الفرقان التي استهدفت كل فلسطيني في قطاع غزة المحاصر .