وصلوا بأرواح مِئات المدنيين إلى برّ السلام أثناء حرب غزة

مُهندِسو المتُفجرات.. أبطال مِهنة "الخطأ الأول والأخير"!

21 يناير/كانون الأول 2012 الساعة . 04:05 ص   بتوقيت القدس

احتضرت أشعة الشمس الأخيرة على أسطح المباني العالية لمدينة غزة في ذلك اليوم البارد من الأيام الأولى لشهر يناير/ كانون الثاني عام 2009، قبل أن تتوقف عجلات جيب عسكري فجأة في أحد شوارع المدينة، ويصيح سائقه بامرأة اعترضت طريقه ودلفت إلى داخله بسرعة بعد أن فتحت بوابته الخلفية:
- "ماذا تُريدين أيتها المرأة ؟، ولِمَا أوقفتنا في هذا المكان؟"
ردَّت المرأة بصوت لاهث كأنها تبحث عن هواء لم تجده:
- "أُلقيت قُنبلة ضخمة على بيتي لكنها لم تنفجر"
سألها ذلك السائق بلهفة:
- "وأين يقع بيتك"

اندفعت المرأة وهي تستطرد بصوت باكٍ مُتوسل:
- "إنه في جنوب المدينة، أرجوكم هذه القُنبلة قد تُدمر مأواي الوحيد"
ولم تكد تُتِم عبارتها وضربات قلبها تُدوِّي كطبول الإعدام، حتى أتبعتها بقولها حاسمة الموقف:
- "لن أغادر هذا الجيب إلا إذا أوجدتم حلاً لتلك المصيبة. أتفهمون هذا ؟!"

عمالقة المُتفجرات
كان السائق هو النقيب مدحت البطش واحد من أفضل عمالقة الرعيل الأول لهندسة المُتفجرات في قِطاع غزة، يجلس بجانبه رفيقه محمد المغني، وكلاهما يعملان في إدارة هندسة المتفجرات التابعة للشرطة الفلسطينية بغزة، وقد التقت بهم تِلك المرأة التي تُدعى أم محمد صدفة ودون سابق ميعاد وسط مدينة غزة.

وقصة أم محمد وهي في مُنتصف الأربعينات من العمر، تتمثل باختصار في استهداف مأواها الوحيد بقنبلة قُدِّر لها ألا تنفجر، خِلال الحرب الدامية التي شنتها (إسرائيل) ودارت رحاها قبل ثلاثة أعوام على أراضي المحافظات الخمس لقِطاع غزة الساحلي.

وقطعت هذه الفلسطينية كيلوات لتلتقي بالرجلين في ذلك الجيب ذي اللون الأسود، بعد أن خرجت من منزلها في جنوب المدينة، بحثاً عن المساعدة والنجاة من قُنبلة قد تُحيل كل شيء إلى دماء ودمار في حال انفجارها.

وفور أن سمع البطش كلمات أم محمد، أدار مِقوَد الجيب على الفور باتجاه منزلها الذي يقع على الخط الساحلي لجنوب مدينة غزة، وبالتحديد في منطقة تُعرف بـ"الشيخ عجلين" المُقابلة لشاطئ البحر.

آنذاك، كانت عقارب الساعة تُشِير إلى الخامسة مساءً من اليوم التاسع للحرب الدامية، ما يعني حلول موعد غروب القرص المُستدير وإسدال الليل عباءته السوداء على سماء غزة، ليصبح استهداف طائرات سلاح الجو الإسرائيلي خطر يتهدد أي إنسان أو مركبة تسير على الأرض، إذ كانت نار الحرب تستعر في فترة المساء، فَضلاً عن نيران الزوارق الحربية التي كانت تمخر عباب البحر قُبالة شواطئ غزة.

وقد هيَّجت أصوات مدافع تِلك الزوارق الحربية القريبة من الخط الساحلي أثناء قصفها لمنازل المواطنين، رغبة البطش في الوصول إلى بيت أم محمد بأسرع ما يُمكن بواسطة الجيب الذي كان يقوده بسرعة جنونية على الخط الساحلي لجنوب المدينة، وهو يقول لرفيقه المغني:
- "أتسمع أصوات الزوارق؟ نحن في مرمى نِيرانها، وفي أي لحظة يُمكن استهدافنا"
أومأ المغني برأسه وهو يرمق البطش بنظرات يشوبها القلق، قبل أن يُجيب:
- "أتفق معك في هذا، لذا علينا الإسراع في تأمين القُنبلة حتى لا تنفجر وتُلحق ببيت المرأة خسائر مادية، وربما بشرية".

ولم تنقض دقائق معدودة حتى كان الرجلان برفقة المرأة قد وصلوا إلى وُجهتهم، ليبدأ تنفيذ المهمة بتأمين قنبلة اخترقت الأرض وغرقت في الرمال لثقلها أمام بوابة منزل أم محمد.

"كانت تِلك المهمة في غاية الخطورة، لأننا كنا في دائرة استهداف الزوارق الحربية" يقول البطش ذي القامة المتوسطة والكتفين العريضين : "لكن ذلك لم يمنعنا من إبطال مفعول قنبلة تزن 250 كيلو جرام يُحرم استخدامها دولياً، رمت بها مُقاتلة حربية من نوع (إف 16) على منزل يسكنه مدنيون".

ولم يكد ينتهي الرجلان من تأمين القنبلة بفك صواعق الانفجار استعداداً للخروج من المنطقة، حتى وضعاها داخل الجيب، قبل أن يتوجه البطش إلى مكان القيادة بصحبة رفيقه المغني لمغادرة المكان، وفي هذه الأثناء صاحت أم محمد:
- "سأرافقكم إلى حيث تصلون بالسلامة، فمثلما جئت بكم إلى هُنا سأخرجكم من هذا المكان"
ردَّ عليها البطش، والمغني (26 عاماً) الذي يعد من أفضل رجال هندسة المُتفجرات على الرغم من صِغر سنه، بكلمات واحدة كما لو أنهما كانا مُتفقين على لفظها معاً:
- "عليكِ البقاء هُنا، فوراءنا الكثير من المهمات، والحمد لله على سلامتك !"

وفي الحقيقة، قد ترك نجاح الرجلين في مُهمتهما أثراً إيجابياً في نفس تِلك الفلسطينية التي ودعتهما بكلمات "الله يحميكم وينصركم" وهي تُراقب بتمعن انطلاق الجيب بسرعة كبيرة في ذلك المساء البارد التي استعرت فيه نيران الحرب ووصلت إلى ذروتها.

وأثناء الحرب؛ سطع نجم مُهندسي المتفجرات الذين نجحوا في تأمين عشرات القنابل التي كانت الطائرات الحربية تُلقي بها ولا تنفجر في بعض الأحيان، وقد أثبت البطش موهبة وتفوقاً جذبا إليه الانتباه والاهتمام، وأثارا حيرة وإعجاب كُل من تعامل معه، لا لأنه يمتلك خبرة تُؤهله لتنفيذ مِثل تِلك المهمة، وإنما لأنه مارس مِهنة كان يُدرك أن "الخطأ الأول فيها هو ذاته الأخير" على مدار أكثر من 15 عاماً جعلت منه بطلاً لا يقدر أحد على تنفيذ المهام الخطرة مِثله.

بِدء المُخاطرة
كان مجيء السلطة الفلسطينية إلى غزة على إثر اتفاق "أوسلو" الموقع عام 1993 مع (إسرائيل)، بحاجة إلى تدعيم أمني في غزة والضفة عبر بناء أجهزة أمنية مختلفة تُكلف كل واحدة منها بمهام مُعينة تقوم بها.

ومع تشكيل تِلك الأجهزة، أُعلن عن تأسيس إدارة هندسة المتفجرات والتي لقيت اهتمام الكثير من الشُبان الفلسطينيين، وقد كان البطش ورفيقه فارس العشي، من العناصر الأولى التي انضمت للإدارة مُنتصف عقد التسعينات من القرن الماضي.

"حين انضممت إلى هندسة المتفجرات لم يكن لدى أي خِبرة في هذا المجال".. يقول البطش وهو يجلس مُعتدلاً في مِقعدة: "بعد أن تلقيت العديد من الدورات على يد الخبراء أصبح لدي خِبرة كافية".

وبثقة واضحة يضيف هذا الفلسطيني الذي لا يخشى مهنته: "تلقيت برفقة فارس العشي العديد من الدورات الداخلية والخارجية، كان من بينها دورات داخل الولايات المُتحدة الأمريكية للتعلم على نزع الألغام، والتعامل مع الأجسام المشبوهة، والتحقيق فيما بعد الانفجار".

وظلَّ البطش والعشي يعملان برفقة بعضهما وآخرين في هندسة المتفجرات إلى أن أعلنت حركة حماس سيطرتها على قِطاع غزة مُنتصف عام 2007، وعلى إثر ذلك لم يتبق في إدارة الهندسة سوى اثنين ، هما: البطش، والعشي.

ويضيف البطش الذي تخرج على يده العديد من العاملين في إدارة هندسة المتفجرات حالياً: "استنكف 70 عنصراً من إدارة الهندسة عن العمل، ولم يبق في الجِهاز سوى أنا والعشي ننفذ المهام لوحدنا على مدار الساعة في كل مُحافظات قِطاع غزة، ولكننا نجحنا في تدريب عدد من العناصر الجديدة لتساعدنا في مِهنتنا الخطرة".

مهمة خطرة
ويروي البطش لـ"فلسطين" إحدى المهام التي نفذها بعد مرور أكثر من عام على سيطرة حماس على القِطاع، وقبل اندلاع الحرب بشهر واحد، إذ كان صباح الثامن والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني لعام 2008، هادئاً مُنعشاً وكل العناصر في سُكون لم يدم كثيراً بعد أن استقبلت إدارة هندسة المُتفجرات نداءً عاجلاً من العمليات المركزية للشرطة عبر جِهاز اللاسلكي:
- أحد ما وضع عُبوة ناسفة أسفل مركبة في حي الصبرة بمدينة غزة، عليكم التوجه إليها الآن لإبطالها ومن ثُم تفكيكها.

ولأن مِثل هذا الأمر كان مألوفاً بالنسبة للبطش، فقد ظلت ملامحه خاوية من أي انفعالات، وتلقى الإشارة بكل هدوء ورصانة، قبل أن يشحذ الهمم ورِفاقه باتجاه المركبة المستهدفة.

ران صمت تام في تِلك المنطقة بعد أن تم إخلاء المارة والسكان على مسافة لا تقل عن 50 متراً خوفاً على حياتهم، وقد أضفى ذلك الصمت في ذلك اليوم الدافئ المزيد من الهيبة بالنسبة للبطش الذي ارتدى درعاً خاصاً قد يُوفر له السلامة في حال وقوع أي خطأ فني.

وتقدم البطش نحو الجيب بهدوء، وقد اكتشف أمر العبوة: كانت تزن كيلو جرام من المواد الشديدة الانفجار، تنفجر بمجرد أن يرن الهاتف النقال "الجوال" المزروع بداخلها رنة واحدة بعد الاتصال عليه من قِبل المجهول الذي وضع العبوة أسفل جيب يعود لمواطن غزِّي.

ولأن الوقت بدأ يُداهمه وهو يُحاول إبطال مفعول التفجير، سارع إلى فك الجوال من العُبوة، "وبمجرد أن انتزع مِنها ذلك الجوال، قام واضع العبوة بالاتصال على الجوال الذي أصبح في يدي (..) من المُؤكد أنه كان يراني لكن لا أحد مِنا يراه. لقد ارتجفت يدي كما لو أنه قد أصابها ماس كهربائي، لكن الحمد لله الذي سلمني ووفقني في هذه المهمة".

ولم يقتصر دور البطش ومن عمل معه في هندسة المُتفجرات على تنفيذ تِلك المهمة الخطرة فحسب، بل وصل الأمر إلى تنفيذ الكثير من المهام في اليوم الواحد لتفكيك عبوات كانت تُوضع ربما في إطار المُناكفات الفصائلية، أو الاستهداف الشخصي وذلك بعد بدء الانقسام، لكن هذه الظاهرة خفَّت تدريجياً بعد أن كشفت الأجهزة الأمنية العديد من المُتورطين بذلك، وزجَّت بهم في سُجونِها بغزة.

ولأن سيطرة حماس على قِطاع غزة بقوة السلاح، لم تكن خاتمة للأحداث الداخلية التي استمرت أكثر من عام، فقد ألقى على كاهل "البطش" و"العشي"- الذي أصبح فيما بعد رئيس إدارة هندسة المتفجرات في جهاز الشرطة الفلسطينية بغزة- مهاماً أثقل من الجبال نُفذَت على مدار الساعة في كافة أرجاء قِطاع غزة، إذ برع مجهولون في وضع عُبوات ناسفة مُستهدفين بها رُموزاً وقادة أمنيين، واستمر هذا الحال إلى أن بدأت المعركة الكبرى: "حرب غزة".

حرب غير مُتوقعة
- "لقد أوجدت لنا قِيادة الشُرطة مكاناً سرياً خارج مقرنا هذا"
صاح العشي بهذه العبارة وهو يتنقل بين غُرف مبنى إدارة هندسة المُتفجرات في مقر الجوازات- مدينة عرفات للشرطة- غرب مدينة غزة، في الساعات الأولى من نهار السابع والعشرين لشهر ديسمبر/ كانون أول لعام 2008، مخاطباً بها رفيقه البطش الذي واصل الاستماع لرئيسه المباشر، وهو يقول:
- "علينا التوجه إلى ذلك المقر بعد إخلاء مقرنا هذا لنمارس عملنا هُناك كما هو مُعتَاد"

كانت القِيادة السياسية والعسكرية في (إسرائيل) قد ملأت الدنيا تهديداً ووعيداً بشن حرب على غزة خاصة أن وزيرة الخارجية الإسرائيلية "آنذاك" تسيبي ليفني أطلقت زئير الحرب من مصر، لإسقاط الجهة الحاكمة في غزة، ولتحقيق أهداف أخرى من خِلال عملية عسكرية موسعة يخوضها جيش يدعي أنه "لا يُقهر" ضد مدنيين مُحاصرين!؛ على حين أن الجهات المعنية في غزة على المستويين السياسي والأمني قد تابعت باهتمام تِلك التهديدات، وأخذتها على محمل الجد قبل أن تُقرر إخلاء المقار الأمنية، وكافة المؤسسات التي يُمكن أن تكون في دائرة الاستهداف الإسرائيلي، في تدبير احترازي قد يُقلل من حجم الضحايا والخسائر في حال اندلاع أي عُدوان.

وفور سماعه تِلك العبارة، رمق البطش قائده بنظرات مليئة بالقلق، قبل أن يرد عليه حاسماً الموقف:
- "تماماً سيدي"
ولم يكد ينتهي من لفظه الكلمتين، حتى أتبعهما قائلاً:
- "سأجهز المركبة لننطلق الآن إلى المقر الجديد لمعاينته وتجهيزه بما يُناسب عملنا".
مع نطقه تِلك الكلمات، غادر البطش (39 عاماً) غُرفة الاجتماعات الرئيسة داخل مبنى الإدارة العامة لهندسة المتفجرات، برفقة عدد ممن يعملون معه.

هُنا تركت المجال للبطش: "ذهبنا في البداية إلى إحدى المركبات التابعة لنا، وعند محاولتي تشغيلها لم تعمل بسبب عطل ما، ورغم كل محاولات تشغيلها إلا أنها لم تعمل، وقد تأخر ذهابنا إلى المقر الجديد بعض الوقت".

وتزامناً مع هذه المفارقة البسيطة في موعد الانطلاق للمكان السري، اندلعت الحرب على غزة في ذلك الصباح، على نحو فاق كل التوقعات حتى توقعات أجهزة الأمن بغزة التي نالت نصيب الأسد خِلال الحرب.

يومها، لم تكن عقارب الساعة قد أشارت إلى الحادية عشرة صباحاً، حين بدأت عمليات القصف المركز للمقار الأمنية في مُحافظات القِطاع، كأول استهداف لسلاح الجو الإسرائيلي، وقد تصاعدت مع ذلك أعمدة الدخان من كل مكان بعد أن "سكبت (إسرائيل) رصاصها المصهور"، مُشكِّلة لوحة مُرعبة احتلت الدماء والأشلاء والدمار جزءاً كبيراً منها، كانت قد رُسمت بقنابل 60 طائرة حربية من نوع (إف 16)، وصواريخ عشرات الطائرات بدون طيار (الزنانة) ومروحيات الأباتشي، وعدد ليس قليلاً من الزوارق الحربية التي تمخر عُباب البحر قُبالة شواطئ غزة.

- "أخلوا المكان بسرعة الآن، أخلوا المكان"
قالها البطش في انفعال واضح وهو يُلوح بيده، مخاطباً عناصر إدارة الهندسة في المكان، وآخرين من جهاز الشرطة، وقد تجمعت الدماء في وجهه وشَحَبَ ليبدو فجأة كما لو أنه سحابة حمراء مرت أمام الشمس وقت الغروب، وقد تعلَّق بصره بالبوابة الغربية لمقر الجوازات، والتي سارع الخطى إليها برفقة العشي وعناصر الإدارة، إذ كانت المنفذ الوحيد للعشرات للهروب من الصواريخ المنسكبة لحظة الاستهداف الأول للمقر.

وعلى غير المتوقع، عاد العشي أدراجه إلى مبنى إدارة الهندسة سعياً لجلب جهاز كمبيوتر "لاب توب" يحتوي على كافة المعلومات والمهام الخاصة بهندسة المُتفجرات، حتى أنه لم يسمع البطش حين نادى عليه في حنق واضح:
- أين أنت ذاهب ؟؛ ارجع إلى خارج المقر الآن، فالقصف ما زال مُستمراً" مُحاولاً إجباره على التراجع إلى صُفوف من نجوا من الضربة الأولى، إلا أن العشي لم يسمع صُراخ البطش عليه وذلك لشدة أصوات الانفجارات المتتالية، والتي تكاد أن تفتت أجساد البشر لشدتها وعنفوانها.

أما داخل مقر الجوازات، فإن المشهد كان أكثر توتراً وانفعالاً خاصة تِلك الصور التي التقطها الصحفيون بعدسات كاميراتهم بعد مرور دقائق معدودة على أول استهداف جرى للمقار الأمنية، والتي من بينها كان مقر الجوازات، وقد شكل دخول الصحفيين إلى هذا المقر فُرصة كبيرة لعناصر الشرطة الناجين للعودة إلى الداخل والمُشاركة في انتشال الضحايا.

كانت الدماء في كُلِ مَكان، والأشلاء المُمزقة غطت الأرض والجُدران، والجَثَامِين المُشوهة انكفأت على وجهها وصعدت أرواحها إلى الجِنان، راسمة مشهداً قاساً تنفطر له القلوب، ويُجبر العيون على ذرف الدموع.

هذه الصورة التي تشكَّلت في الضربة الجوية الأولى للحرب الدموية على قِطاع غزة جعلت من رجال يمتلكون عزيمة فُولاذية، ويحملون أرواحهم على أكفهم مِثل البطش، يُقلبون جثامين الشهداء بين أيديهم قبل نقلها إلى سيارات الإسعاف التي أمَّت المكان فور الاستهداف، ومن ثم صخبت الشوارع بأبواقها وهي في طريقها إلى مُستشفى الشفاء.

"بمجرد أن دخلت مقر الجوازات فُوجِئت بالدمار في كُل مكان، وبأشلاء الشهداء الذين وصل عددهم إلى أكثر من أربعين".. يقول البطش مستذكراً ذلك اليوم المشهود: "كان النقيب فارس العشي- مُدير إدارة هندسة المُتفجرات- ملقىً على الأرض ومُضَرَّجاً بالدماء".

وأمام هذا المشهد، تَلاحقَت أنفاس البطش الذي تَسمَّر لوقت قصير أمام جُثمَان العشي "الغارق في دمائه اثر إصابته بشظية صاروخ في رأسه"، كما يقول البطش الذي أكمل وصف المشهد: "قُمنا بنقله إلى مُستشفى الشفاء، وكانت الأمور هُناك في غاية الصعوبة خاصة جثامين عشرات الشهداء الممددين على الأرض (..) أما العشي فقد ارتقى بعد يوم واحد من إصابته".

في ذلك الحين، شعر البطش بحزن شديد، فلم تكن العلاقة التي تربطه مع الشهيد العشي البالغ من العمر (34 عاماً) هي فقط أن الأخير يكون المسؤول المُباشر للأول، إذ كانا يَعتَبِرَان نفسيهما روحين في جسد واحد مُنذ أن بدآ عملهما في إدارة الهندسة مُنتصف عقد التسعينات من القرن الماضي، غير أن القاسم المُشترك بينهما تنفيذ المهمات الخاصة والخطرة برفقة بعضيهما.

وإضافة إلى الشهيد العشي، ارتقى اثنان من إدارة هندسة المُتفجرات في اليوم الأول للحرب، هما: رزق الحداد، وحمزة الخالدي، ليتقلص بذلك عدد من يعملون في إدارة الهندسة إلى أقل من ثلاثين دخلوا في مُجازفات لا تُعد ولا تُحصى أثناء الحرب التي ضاعفت أعداد المهام، كما يقول البطش لـ"فلسطين".

وفور مُرور اليوم الأول من الحرب، والإعلان عن استشهاد أكثر من 300 فلسطيني كحصيلة أولية لاستهداف الطائرات الإسرائيلية للمقار الأمنية، ولأن مثل ذلك الأمر لم يكن مألوفاً بالنسبة لمُهندسي المتفجرات، فقد قرر هؤلاء توزيع من نجا في اليوم الأول على المدن والمحافظات، إذ تولى البطش واثنان آخران المهمة في مُحافظتي غزة وشمال القطاع، لإبطال مفعول الصواريخ والقنابل التي كانت الطائرات الحربية تُلقِي بها ولا تنفجر.

بكلمات مُتسارعة يقول البطش ذو اللحية الخفيفة: "فقدان مُدير الإدارة (فارس العشي) كان له أثر كبير، لكن عملنا نحن لم يقف نهائياً لأن الطائرات كانت ترمي بقنابلها وتطلق صواريخها باتجاه منازل المواطنين بغزارة (..) الكل كان مُستهدفاً في تِلك الحرب".

لكن الحرب الضروس التي كانت أشد فتكاً من أي عدوان وقع على الشعب الفلسطيني مُنذ أن احتل الإسرائيليون الأراضي الفلسطينية، صعَّبت على مهندسي المُتفجرات تنفيذ مُهمات تأمين القنابل والصواريخ الإسرائيلية، خاصة مع بدء المرحلة الثانية من الحرب باجتياح عدة محاور لمُحافظتي غزة والشمال والتي بدأت مساء الثالث من يناير 2009.

"كُلفت بتنفيذ مهمات في غاية الصعوبة خاصة في المناطق التي كانت على مقربة من جنود الاحتلال المُتوغلين في غزة".. يقول البطش وهو يُلوح بكفه شارحاً ظروف عمله آنذاك: "إلا أنني تمكنت ورفاقي من تأمين عدد كبير من الصواريخ والقنابل، ومن ثُم دفنها تحت التُراب إلى أن يأتي وقت تكون فيه الأوضاع قد هدأت لاستخراج هذه الصواريخ ومن ثُم إتلافها".

أبطال تحدوا الطائرات
وفي اليوم العاشر للحرب التي استمرت 22 يوماً، استقبل البطش إشارة من العمليات المركزية للشرطة الفلسطينية:
- استهداف عمارة سكنية في شارع المُغربي جنوب مدينة غزة بقنبلة ألقَتهَا طائرة (إف 16)، ولم تنفجر.

ضمَّ البطش ياقتي مِعطفه في إحكام، وهو يُغادر منزله بحي التفاح، شرق مدينة غزة، إذ كانت منازل مهندسي المتفجرات محطات انطلاقهم لتنفيذ المهام أثناء الحرب، وقد أسرع هذا الفلسطيني الخُطى سيراً على الأقدام خوفاً من استهداف مركبتهم السوداء في ذلك اليوم البارد، بعد أن قرأ الرسالة التي استقبلها عبر هاتفه النقال الذي بواسطته تحدث مع المغني، وقال له وهو يلهث:
- "لاقيني على الطريق، تم إبلاغي بوجود قنبلة أُلقيت فوق عِمارة سكنية جنوب المدينة، وعلينا الذهاب إلى هناك فوراً لنقوم بما نستطيع ...

لم يمر وقت طويل بعد أن أنهى البطش المحادثة حتى التقى برفيقه المغني قبل أن ينضم إليهم رجل ثالث من رفاقهما في إدارة هندسة المتفجرات ويُدعى نزار البطش، وبعد دقائق معدودة وصلوا المكان المطلوب لتنفيذ مهمة جديدة.

كان الحدث عبارة عن قنبلة تزن طناً أُسقِطت على سطح منزل مُكون من أربعة طوابق، ويضم ثماني شقق سكنية مأهولة بأكثر من 40 فرداً من عائلة الأشرم، لكنها لم تنفجر بسبب عطل ما بداخلها، وهو ما دفع رجال الهندسة أن يصيحوا بالناس:
- "القنبلة مُمكن أن تنفجر في أي لحظة؛ لذا ابتعدوا عن المنزل بسرعة وبمساحة لا تقل عن 100 متر، حتى لا نتكبد خسائر بشرية في حال انفجارها".

سار البطش بحذر شديد نحو هدفه، وهو يتأمل تِلك القُنبلة التي يزيد طولها عن مترين ونصف المتر، قبل أن يشرع في مُحاولته لتأمين القنبلة، بعد أن اتفق الرجال الثلاثة على إبقاء واحد مِنهم لتنفيذ المهمة.

وفجأة، استدار البطش إلى الخلف بسرعة كبيرة إلى صوت انفجار ضخم، واتسعت عيناه على غير العادة وكادت أن تقفز من محجريهما وهما مُعلقتان بعمود هائل من الدخان الأسود تصاعدت معه كُتلة رهيبة من النيران وتطايرت له قِطع كبيرة من الركام، نجمت عن استهداف منزل لعائلة الديري بقنبلة أطلقتها طائرة (إف 16) وأحالته إلى رُكام وغُبار تذروه الرياح، أثناء عمله في تأمين القنبلة أعلى منزل عائلة الأشرم.

وعاد فور انقشاع الدُخان والغبار المُتطاير عن المكان المُستهدف الذي لا يبعد عنه سوى 40 مِتراً، وهو عابس الجبين، عاقد حاجبيه بشدة، إلى مُحاولته في تأمين تلك القنبلة التي تزن طُناً.
فيقول: "لم أنتظر طويلاً بعد وقوع ذلك الانفجار الكبير، وسارعت إلى تأمين القُنبلة من خِلال فك الصواعق، ومن ثم فصلت رأس القنبلة (..) بعد ذلك أكتب على القنبلة تم تأمينها أي تم التعامل معها استعداداً لنقلها من المكان المستهدف إلى منطقة آمنة لإتلافها".

لكن قسوة الأوضاع على أهل غزة، حَالت دون إمكانية توفير ما يلزم من آلات ومُعدات خِلال أيام الحرب الـ22، لإنزال تلك القنبلة من أعلى المنزل لنقلها إلى منطقة آمنة وخالية من السُكان ليتم إتلافها بطريقة خاصة.

"بعد أن تم تأمين القنبلة لجأنا إلى أصحاب العربات الضخمة (المنُوف) والتي تصلح لإنزال مثل تِلك القُنبلة نظراً لثقل وزنها".. يقول البطش وهو يبتسم وقد بدا فاخراً: "نفذنا الكثير من المهام بعد ذلك على الرغم من أن أغلب أصحاب تِلك العربات رفضوا المجيء معنا خوفاً من انفجار القنبلة، أو استهدافهم من قِبل الطائرات التي لم تُفارق السماء".

وأثناء أيام الحرب، لم يتمكن مُهندسو المُتفجرات من إنزال القنبلة خاصة أن "المنوف" الخاص بهم قد تعطل في الأيام الأولى للحرب ما أدى إلى تفاقم أزمة نقل القنابل التي أُلقيت ولم تنفجر إلى أماكن خاصة بها، لاسيما تِلك التي كانت تزن واحد طن.

ومع إعلان انتهاء الحرب على غزة مُنتصف يوم الثامن عشر من يناير/ كانون الثاني لعام 2009، تمكن مهندسو المُتفجرات من إقناع أحد الذين يمتلكون الـ"مِنُوف" لإنزال القنبلة من فوق بيت عائلة الأشرم.

وفور ذلك، تهللت أسارير أصحاب البيت الذين لولا عِناية الله، ومن ثُم دور مهندسي المتفجرات لكانوا افترشوا الأرض والتحفوا بغطاء السماء كما مِئات مُشردي الحرب التي دمرت آلاف المنازل تاركة أهلها ينامون في خِيام هشة تُغرقها مياه الأمطار، وتُلهِبهَا حرارة الشمس.

وصاح مُهندسو المتفجرات في ذلك الحين، وابتسامات عريضة تملأ وجوههم وتشي بفخر كبير، بأصحاب البيت بالعودة إليه بعد أن نجحوا في إنزال القُنبلة وهتافات الشكر تدوِّي في المكان، قبل أن يسير الرجال بفخر شديد يتقدمهم النقيب البطش كما لو أنه "طاووس فلسطيني" متباهٍ لا يحلو له السير إلا مفرود الذيل متفاخراً مرحاً بعد أن نجح ورفاقه في إيصال تِلك العائلة إلى بر السلام !.. عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

نقلا عن صحيفة فلسطين اليومية

إعداد الصحفي/ أدهم الشريف