في الذكرى الثالثة للعدوان

غزة في ظلمات ثلاث: الحصار والنار والدمار

11 يناير/كانون الأول 2012 الساعة . 10:43 م   بتوقيت القدس

تونس/الفجر

تحتفل فلسطين المحتلة خلال هذه الأيام بالذكرى الثالثة لمعركة الفرقان وفق تسمية حركة المقاومة الاسلامية "حماس"، معركة شنها جيش العدو الإسرائيلي على قطاع غزة تحت اسم الرصاص المصبوب في عدوان هو الأشد منذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية خلف ما لا يقل عن 1500 شهيد وأكثر من 5000 جريح في 23 يوما، وبهذه المناسبة زار وفد ضم كوادر من الحكومة الفلسطينية المنتخبة من قطاع غزة بلادنا بدعوة من جمعية صاحب الطابع للثقافة الإسلامية وجمعية صوت الإسلام.

"الفجر" التقت الوفد وناقشت معه تطورات الوضع في قطاع غزة ومخلفات العدوان الأخير ودور المرأة في المقاومة.

مصعد إطفاء واحد

أبرز الدكتور سعيد السعودي نائب مدير الدفاع المدني الفلسطيني، التجربة الكبيرة التي عرفها مجالد الدفاع المدني في قطاع غزة في ميدان الطوارئ حيث حصد خبرة متميزة بعد العدوان الإسرائيلي عليه، كما أعرب عن قلقه لما آل إليه الوضع المادي لطواقم الدفاع المدني حيث تم تدمير البنى التحتية بشكل شبه كامل.

وردا على سؤالنا حول الاستراتيجية المتبعة مستقبلا في التصدي لأي عدوان محتمل خاصة وأن الإعلام الإسرائيلي يؤكد حتمية شنن حرب جديدة على القطاع وفق ما ورد مؤخرا في "يديعوت أحرونوت" أشهر الصحف الإسرائيلية، قال "هناك خطط شاملة لأي كارثة أو اعتداء على غزة تعتمد بالأساس على الطاقة البشرية أكثر من الطاقة المادية لأنها مرتبطة بالإمدادات التي تأتي من الخارج وشراء المعدات الخاصة بعمليات الإنقاذ صعبة جدا لذلك نعتمد على العنصر البشري المدرب بشكل قوي للتصدي لجميع الكوارث والمشاكل والحروب وهي بالأساس متخصصة في الإنقاذ". وفي السياق ذاته قام الدفاع المدني بإنشاء خطة طوارئ ذاتية لكل محافظة ساهمت في إنجاح العمل المدني خلال معركة الفرقان حيث أصبح لكل محافظة طاقمها الدفاعي الخاص بها.

أما عن الصعوبات التي تواجه عمل الدفاع المدني في القطاع، أفاد السعودي أنها تتمثل بالأساس في العراقيل المادية حيث لا تمتلك إدارة الدفاع المدني في غزة سوى مصعد إطفاء واحد. وطالب محدثنا المؤسسات الإنسانية بدعم العمل الإنساني وحماية المجتمع والمدنيين خاصة وأن الآلة الصهيونية تستهدفهم بطريقة ممنهجة حيث استشهد في العدوان الأخير 15 شخصا من الدفاع المدني ما يعني أن إسرائيل تعمل على شل الحركة المدنية في الداخل.

وأشار إلى أن العمل المدني لا تتدخل فيه فصائل المقاومة بمختلف أجنحتها إنما هو عمل انساني لا يتم التنسيق فيه مع المقاومة بل كل طرف يشتغل على حدة.

المرأة الفلسطينية: "أرقى تجربة"

لم تقتصر المقاومة الفلسطينية على الرجال فقط إنما شملت المرأة أيضا. فالدور الكبير الذي لعبته في مختلف منعرجات القضية الفلسطينية جعلها تلقب "بأرقى تجربة" وفق تعبير الأستاذة كفاح عبد الرحمن الرنتيسي مدير عام العمل النسائي بوزارة الأوقاف وفي هذا الصدد تقول: "المرأة الفلسطينية ضربت مثلا رائعا وتحدت كل الصعوبات وأثبتت قدرتها على خوض كل الميادين وقد لعبت كل الأدوار فلم تكن الأم والأخت والبنت فقط إنما ارتقت حتى وصلت إلى الوقوف مع الرجل في المعركة الجهادية ضد المحتل وأنجبت الأطفال وربتهم على روح الجهاد. فيوم يزف إليها شهيد لم تشق الثياب ولم تتعامل معه بنفسية مدمرة".

نساء في المعارك

وضربت الرنتيسي مثلا في صمود المرأة الفلسطينية ومشاركتها في مقاومة المحتل من خلال سردها واقعة معركة الشمال أو ما سمي "بمعركة الجنة" حيث حاصر عدد من الجنود الصهاينة مسجدا احتمى به ثلة من المقاومين فقامت النساء بتطويق المسجد وأقمنا جسرا استطعنا من خلاله تهريب رجال المقاومة مدهم بملابس نسائية فلم يتفطن الإسرائيليون إلى هويتهم. وأضافت الرنتيسي "لم تبخل المرأة بأية حيلة لإنجاح العمل النضالي لأهل بلدها فاستعملت الحيوانات لإيصال الأسلحة للشباب في ساحات المعركة وهذا ما جعل إسرائيل تستهدف الحيوانات أيضا". وأفادت محدثتنا أن المفاجأة كانت إنجاب ضعف عدد شهداء معركة الفرقان في نفس سنة العدوان الإسرائيلي على غزة أغلبهم من الذكور.

من جهة أخرى نجحت المرأة في خوض غمار الانتخابات فحصلت على 15 مقعدا نت مجموع 130 مقعدا في المجلس التشريعي الفلسطيني، أما عن دورها الاجتماعي ومشاركتها التربوية فقد كانت تمد يد المساعدة لكل من طلبها وأسست اتحاد الطالبات الذي كان يستدعى دائما للتحقيق معه من قبل الصهاينة، كما ساهمت في تراجع نسبة الأمية لتصل إلى 5% فقط وهي نسبة متقدمة مقارنة بجميع الدول العربية.

وعن الحصار وتأثيره على الحياة داخل القطاع، أكدت الرنتيسي أنه كان له الأثر الايجابي جدا في تعزيز التكافل الاجتماعي فعادت المرأة لتطبخ على الحطب وحاكت الثياب وباعتها من أجل أن تعيل نفسها ولا تذل. كما شهد القطاع عودة الشباب إلى التعليم على غرار ما فعلته الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية فقد أصبحت إسرائيل تعيش رعبا كبيرا جدا جراء العمليات الاستشهادية فمنعت دخول العمالة الفلسطينية إلى إسرائيل ما جعل الفلسطينيين يعودون إلى المدارس والجامعات ويحملون مرة أخرى هم القضية.

ووجهت الرنتيسي رسالة من المرأة الفلسطينية إلى نظيرتها التونسية جاء فيها "نحن على يقين أن المرأة التونسية على قدر الأمانة وأنها تحمل هما كبير ومسئولية أكبر فلا بد أن تدافع عن قضيتها وثورتها بكل قوة، ومهما كانت التحديات فلا بد لها من الصبر والاحتساب وبداية إعداد نفسها لقيادة هذه الأمة ونموها بصفة عامة وهي القادرة على تغير صورة المرأة في العالم لذلك لا بد لها أن تكون في مقدمة".

600 معاق

قال الأستاذ أدهم أبو سلمية الناطق الإعلامي للإسعاف والطوارئ والناطق الرسمي باسم اللجنة العليا للإسعاف والطوارئ في قطاع غزة "أن التذكير بالعدوان الإسرائيلي على القطاع يأتي في إطار الذكير بالمسئولية الأخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني الذي دفع ضريبة الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل ومازالت ترتكبها أمام مرأى ومسمع العالم الذي أراد أن يقول أنه فوق كل الأخلاق والقيم فقام بعقاب جماعي للشعب الفلسطيني على اختياره حكومة منتخبة ديمقراطيا. وأضاف أبو سلمية في نفس السياق "لقد انتهكت إسرائيل كل المعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان بدءا من اتفاقية جينيف وصولا إلى حماية المقدسات وعدم ارتكاب جرائم حرب".

وردا على سؤالنا بشأن مخلفات استعمال إسرائيل مواد وأسلحة محظورة دوليا في عدوانها الأخير على القطاع أكد سلمية بأن هناك ما لا يقل عن 600 معاق يحملون تشوهات خلقية واضحة خاصة المتعلقة منها بزيادة التهاب الغشاء الدماغي كما أن عدد كبير من المولودين أثر العدوان يحملون بدورهم تشوهات خلقية عميقة جدا وقد أثبتت دراسة ألمانية نشرت سنة 2010 أن إسرائيل استخدمت في حربها 3500 مادة محظورة دوليا منها الفسفور واليورانيوم والقنابل الانشطارية التي تبقى في جسم المصاب حتى تفتته. من جهته أكد الدكتور سعيد السعودي وهو طبيب أيضا وجود حالات اجهاض كثيرة لدى النساء الحوامل وانتشار العقم جراء هذه الأسلحة مع تشوهات خلقية شديدة تصاحب أجيالا متعاقبة من المواليد الجدد.

وأفاد أبو سلمية أن 25 ألف منزل فلسطيني وقع تدميره بشكل كامل أو جزئي خلال العدوان ما يعني أن هناك معركة إعمار جديدة يواجهها الشعب الفلسطيني خاصة وأن الوعود العربية والدولية بتقديم يد العون والمساعدة لم يقدم منها إلى الفئات القليل.

"مواطن كريم يحميه شرطي حكيم"

مختلفة تماما عن باقي وزارت الداخلية في العالمين العربي والغربي، هي وزارة الداخلية في قطاع غزة فهي لا تقتل المتظاهرين ولا تعذبهم كما أن علاقتها بالمواطنين علاقة وطيدة شعارها لهذه المرحلة هو "كرامة المواطن وهيبة الشرطي" وفق ما أفادنا به الأستاذ علي النابلسية مدير العلاقات العامة بوزارة الداخلية.

وأوضح النابلسية أن سر هذه العلاقة المميزة يكمن في المشروع الإسلامي الذي انبثقت عنه وزارة الداخلية حيث يقول: "وزارة الداخلية خرجت من رحم مشروع إسلامي حضاري مقاوم للاحتلال ومن أبسط معالمه القوة والحسم ضد الظالم، المعتدي، المتجبر، أما بالنسبة للإنسان الفلسطيني فيكون له نصيرا يحق الحق ويرد المظالم".

ولكسر الحاجز النفسي القائم بين المواطن من جهة، ووزارة الداخلية من جهة اخرى الذي بليت به في بلداننا العربية، أكد النابلسية أن الحل يكمن في الإنصات إلى مطالب المواطنين، وفي هذا الإطار يسرد محدثنا تجربة وزارته قائلا: "نجلس مع كل المواطنين بمختلف شرائحهم وفئاتهم نتناقش معهم ونناقش معهم الكثير من القضايا ولدينا هياكل متخصصة منها الإدارة العامة لشؤون العشائر والإصلاح والعلاقات العامة الموجودة في كل مكتب، وكثيرا ما نجحنا في حل المشاكل بين المواطنين بطريقة ودية دون اللجوء إلى القضاء". كما تعمل وزارة الداخلية وفق استراتيجية اتصالية فتقوم بعديد الحملات من بينها حملة "كرامة المواطن وهيبة الشرطي" و "مواطن كريم يحميه شرطي حكيم". كما أكد محدثنا أنه خلال العدوان على غزة لم تسجل وزارة الداخلية أي مخالفات "لم يتم الاعتداء على أملاك المواطنين ولم تحصل سرقات ولا نهب بل حافظ المواطنون على الأمن والاستقرار الداخلي وأصبح كل مواطن شرطي ورقيب على ذاته".

تجدر الاشارة إلى أن أول الضربات العسكرية التي وجهتها إسرائيل لقطاع غزة كانت قصف موقع تابع لوزارة الداخلية خلف أكثر من 366 شهيد من رجال الشرطة في أيام العدوان الأولى كما استشهد وزير الداخلية سعيد صيام وقائد الشرطة اللواء توفيق جبر وتم قصف أكثر من 400 سيارة شرطة.