د. سعادة عبد الرحيم خليل
في آخر عمل صدر للكاتب والأكاديمي اليهودي إيلان بابي (التطهير العرقي في فلسطين) في يناير 2007 لا يوارب في سرد الحقائق وبصراحة تامة يتهم الكيان الصهيوني بالتطهير العرقي وبارتكاب الجرائم ضد الإنسانية إبان حرب عام 1948 ووصولاً إلى يومنا هذا. يركز أساساً على خطة د (داليت في العبرية) ، التي وضعت في 10 آذار 1948 ، حيث يصور بابي كيف أن التطهير العرقي لم يكن ظرفاً أملته الحرب بل كان متعمداً وكان هدفاً رئيساً من أهداف الوحدات العسكرية الصهيونية بقيادة ديفيد بن غوريون ، الذي يطلق عليه بابي "مهندس التطهير العرقي". إن الطرد القسري لأكثر من 800 ألف فلسطيني ما بين 1948- 49 ، هو جزء من الخطة الصهيونية لإنشاء دولة يهودية بالكامل. لقد وضع أدلته في إطار التعريفات للتطهير العرقي المقبولة دولياً وتعريفات الأمم المتحدة نفسها. ويمضي بابي في سرد تفصيلي لمشاركة المنظمات العسكرية الصهيونية في هدم وإخلاء مئات القرى ، وطرد مئات الآلاف من السكان العرب.
يشكل الكتاب جردة حساب رائعة للطرد القسري والتطهير العرقي للفلسطينيين من أراضيهم في عام 1948. انه يقتبس ديفيد بن غوريون ، زعيم الحركة الصهيونية من عام 1920 حتى منتصف الستينات ، والذي كتب في مذكراته في عام 1938 ، "إني مع الطرد الإجباري ؛ لا أرى أي شيء غير أخلاقي فيه". وهذا يتناقض مع إدعاء الجمهور الصهيوني الذي كان يدعي الاستيلاء على ارض بلا شعب.
بابي يقتبس من خطة مارس 1948 لطرد الفلسطينيين "إن الأوامر جاءت مع وصف دقيق للأساليب التي تستخدم لطرد الناس عنوة : التخويف على نطاق واسع ؛ محاصره وقصف القرى والمراكز السكانية ؛ إشعال النار في المنازل والممتلكات والبضائع ؛ الطرد ؛ الهدم ؛ وأخيراً ، زرع الألغام بين الأنقاض لمنع أي من السكان المطرودين من العودة".
بين 30 مارس و 15 أيار / مايو 1948 ، أي قبل تدخل أي دولة عربية ، استولت القوات الصهيونية على 200 قرية وطرد 250،000 فلسطيني منها. لقد قالت القيادة الإسرائيلية ، "إن الهدف الرئيس من العملية هو تدمير القرى العربية... طرد القرويين". وفي 9 نيسان / ابريل ، قتلت القوات الإسرائيلية 93 شخصاً ، بينهم 30 طفلاً ، في دير ياسين. وفي حيفا كانت أوامر القيادات الصهيونية "اقتل كل عربي تلقاه".
حدث كل هذا في ظل الحكم البريطاني في فلسطين ، حيث كان لبريطانيا 75،000 جندي : لم ينته الانتداب البريطاني حتى 14 أيار / مايو 1848. لقد تواطأت حكومة العمال البريطانية مع القوات الصهيونية في هجومها على القرى والمدن العربية ، على الرغم من أن الدولة البريطانية ملزمة بحكم القانون الدولي (وخاصة قرار الأمم المتحدة رقم 181) بصفتها الدولة المحتلة أن تطبق القانون والنظام. والأنكى من ذلك أن حكومة العمال ، بدلاً من ذلك ، أعلنت أنها لن تكون مسؤولة عن النظام والقانون وأنها سحبت جميع شرطتها. كما منعت وجود أي هيئة للأمم المتحدة ، خارقة للشروط الواردة في قرار الأمم المتحدة مجدداً. وأكثر من ذلك، أمرت الحكومة القوات البريطانية بنزع سلاح الفلسطينيين على قلتها ، واعدة إياهم بحمايتهم من هجمات العصابات الصهيونية ، ثم تراجعت عن هذا الوعد.
وفي 24 أيار / مايو 1948 ، كتب بن غوريون : "علينا إنشاء دولة مسيحية في لبنان ، حيث يحدها من الجنوب نهر الليطاني. سنقوم بهزيمة شرقي الأردن Transjordan ، وسنقوم بقصف عمَّان وندمر جيشها ، وبعدئذ ستسقط سوريا ، وإذا ما زالت مصر مستمرة في القتال ، سنقوم بقصف بورسعيد والإسكندرية والقاهرة. وسيكون ذلك انتقاما لما فعله (المصريون والآراميون والاشوريون) بأسلافنا في الأزمنة الغابرة. "لقد كان الفلسطينيون يعانون الطرد الجماعي ، وليس العكس لم يكن الفلسطينيون يحاولون تدمير المجتمع اليهودي.
بابي يلخص "عندما أنشأت الحركة الصهيونية دولتها القومية ، لم تشن حرباً مأساوية ولكن حتماً أدت إلى طرد أعداد كبيرة من السكان الأصليين ، بل العكس: إن الهدف الرئيس هو التطهير العرقي في فلسطين كلها ، وهو الشيء المطلوب للدولة الجديدة. بعد بضعة أسابيع عندما بدأت عمليات التطهير العرقي ، أرسلت الدول العربية المجاورة جيشاً صغيراً بالمقارنة مع إجمالي القوة العسكرية - لتحاول ، عبثاً ، لمنع التطهير العرقي. إن الحرب مع الجيوش العربية النظامية لم توقف عمليات التطهير العرقي إلى أن تم استكمالها بنجاح في خريف 1948".
وعموماً ، اقتلعت القوات الصهيونية أكثر من نصف سكان فلسطين آنذاك أي أكثر من 800 ألف شخص ، ودمرت 531 قرية وأفرغت إحدى عشرة من الأحياء الحضرية من سكانها. يخلص بابي إلى أن ذلك يعتبر "حالة واضحة من عملية التطهير العرقي ، التي تعتبر بموجب القانون الدولي اليوم على أنه جريمة ضد الإنسانية".
هذا الكتاب يوثق ، باستخدام المصادر التاريخية ، الأعمال الوحشية التي ارتكبت بحق الفلسطينيين خلال كارثة 1948. هذا الكتاب يحلل الأدلة التاريخية من مصادر إسرائيلية ، تثبت صحة ما يذكره ويتذكره اللاجئون الفلسطينيون عام 1948، رجالاً ونساءً ، أغنياء وفقراء ، مسلمين ومسيحيين حول التطهير العرقي من أراضيهم وممتلكاتهم، لقد تم التعتيم على هذه الأحداث ومنعت من التداول من قبل مرتكبيها حتى عن السكان الإسرائيليين. ولم تذكر في الكتب المدرسية وتم استبعادها وإبعادها عن وعي المجتمع الإسرائيلي، بيد أن هذه الأحداث وهذه التجارب لا تزال ماثلة في الوعي الفلسطيني. يواصل الفلسطينيون العيش في ظل نتائج التطهير العرقي في الشتات والهجرة القسرية منذ عام 1948 إلى اليوم.
وهذا الكتاب يعتبر سابقة تاريخية بما يحتويه من معلومات وحقائق وأدلة ويعتبر مصدراً يستدل به على طبيعة الصراع الدائر حتى يومنا هذا. وخلاصة الكتاب لن تكون سهلة الاستيعاب على كل فرد في الكيان الصهيوني بسبب التعتيم الإعلامي الذي مورس طيلة العقود السابقة على كيفية تأسيس الكيان الصهيوني والمذابح التي ارتكبت في حق المواطنين الأصليين من الفلسطينيين أصحاب الأرض الحقيقيين. ولاسيما - كما يؤكد بابي - أن التطهير العرقي لفلسطين لا يزال مستمراً حتى اليوم ، ولأنه يدعو أيضاً إلى عودة جميع اللاجئين الفلسطينيين غير المشروطة وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.
وبدون شك ، سيكون بابي وكتابه مثار غضب العديد من الصهاينة ومثار الجدل أيضاً. وأنه سيواجه معارضة شديدة ومراجعات سيئة من الإسرائيليين الذين لم يسمعوا قط بهذه القصص بفضل الرقابة. وبالمثل ، فإنه من المرجح أن يلقى نفس المعارضة من العنصريين الصهاينة كما تعودوا دائماً مقاومة ومعارضة أي جهد من شأنه أن يوصل التاريخ الفلسطيني للأسماع.
هذا الكتاب لا بد أن يقرأ (إسرائيلياً وفلسطينياً وغربياً وشرقياً) وأن يقرأه كل المهتمين حقاً بالقضية الفلسطينية لفهم الوضع الفلسطيني القائم.
التطهير العرقي في فلسطين في كتاب جديد
26 يونيو/جزيران 2011 الساعة . 05:30 م بتوقيت القدس