الفلاشاه كلمة أمهرية تعنى المنفيين، وتعنى غريب الأطوار، وأصل الكلمة يعود إلى الجذر "فلاشا" فى اللغة الجعزية، ويعنى "يهاجرا" أو "يهيم على وجهه"، ويستخدم أهل إثيوبيا الكلمة للإشارة إلى جماعة إثنية أفريقية تدين بشكل من أشكال اليهودية، لا تنتمي إلى أي من الكتل اليهودية الكبرى الثلاث: الأشكناز والسفارد ويهود العالم الإسلامي، كما يستخدمون كلمة "إيهود"، أي "يهود" أما الفلاشاه فيشيرون لأنفسهم بوصفهم "بيت إسرائيل".
وأصول الفلاشاه ليست سامية خالصة، هي حامية أيضاً، إن قبلنا هذا التمييز العرقي والحضاري، فهم ينتمون إلى مجموعة القبائل السامية من جنوب الجزيرة العربية، ويقال إن اليهودية انتشرت بينهم من خلال يهود الجزيرة العربية قبل الإسلام، ويقال إن عبد الله بن سبأ من أصل فلاشى.
وثمة رأى قائل بأن أصل الفلاشاه يعود إلى جنوب شبه الجزيرة العربية، وربما وصلتهم اليهودية عن طريق مصر، وربما جاءوهم أنفسهم من صعيد مصر، وقد كانت توجد جماعة من الجنود المرتزقة اليهود على حدود مصر الجنوبية، فى جزيرة إلفنتاين بالقرب من الشلال الأول في أسوان، وثمة رأى آخر يذهب إلى أن أصلهم يرجع إلى جماعة من اليهود استوطنوا بشكل دائم، ويقال إن عدد الفلاشاه كان كبيراً قبل إن تعتنق أسرة إكسوم الحاكمة الديانة المسيحية فى القرن الرابع، ولكن، بعد هذا التحول إلى المسيحية، نشبت صراعات حادة وحروب عديدة بينهم وبين جيرانهم المسيحيين.
ولا يعرف عدد الفلاشاه على وجه الدقة، وإن كان قدر عددهم بداية القرن الثامن عشر بمائة ألف، بل إن أحد أعضاء الإرساليات قدره بربع المليون، ولكن، مع بداية القرن العشرين، وصل عددهم إلى خمسين ألفاً على أحسن تقدير، وإلى سبعة آلاف حسب أسوئها، وحسب تقديرات عام 1976، وصل عددهم نحو 28 ألفاً موجودين في 490 قرية مختلفة.
ويذكر الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته الشهيرة أنه ابتداء من عام 1973، حدث تحول في الموقف الصهيوني تجاه الفلاشاه، فقد أعلن الحاخام شلومو غورن إن أعضاء هذه الجماعة اليهودية هم في الواقع من أحفاد قبيلة دان، ومن ثم فهم يهود حقيقيون، وطبق عليهم قانون العودة، وبدأت عملية التهجير عام 1977، فكانت تصل بضع مئات، وحينما قامت الثورة الإثيوبية، توقفت العملية ثم استمرت بشكل سري، ثم وضع مخطط التهجير أواخر السبعينيات، وفي عام 1984، نفذ مخطط التهجير على نطاق واسع فيما عرف باسم "عملية موسى" إذ تم نقل 12 ألف إثيوبي في جسر جوى سرى عبر السودان، وكان عدد المهجرين الإجمالي 37,14، وتمت العملية بسرية كاملة حيث فرض تعتيم إعلامي كامل، إلى أن نشرت إحدى نشرات المستوطنين الصهاينة بالضفة الغربية "نكوداه" أن معظم يهود إثيوبيا موجودون بإسرائيل.
ويقال إن تسريب نبأ هجرة يهود الفلاشاه قام به موظف كبير من حزب المفدال الديني بهدف وقف الهجرة، مما يدل على وجود انقسام في الأوساط الصهيونية حيال العملية، وكانت الولايات المتحدة من أكثر الحكومات حماساً، بل وألمحت صحيفة واشنطن بوست إلى أنها هي التي ضغطت على الدولة الصهيونية لتقبل الفلاشاه، وقد خصص صندوق اللاجئين التابع لها 15 مليون دولار لاستيعابهم، وبلغت تكاليف عملية موسى مائة مليون دولار قامت جماعات يهودية أمريكية بتغطيتها، كما تمت عملية أخرى باسم "عملية سليمان" في مايو 1991 بعد سقوط نظام منجستو، ونقل فيها 19,879 من الفلاشاه بواسطة جسر جوى بين أديس أبابا وتل أبيب شمل أربعين رحلة مكوكية، كما هجر 3,500 عام 1992، إذا أضفنا لهؤلاء عدد 6,422 وهم أبناء الفلاشاه المولودون في إسرائيل فإن إجمالي عددهم يصل 51,429.
ولكن الرفض على أساس إثني وعرقي كان أعمق وأشد حدة، حيث رفضت مدينة إيلات، عدد سكانها عشرون ألفاً، تزويد المستوطنين الفلاشاه بالماء والكهرباء، كما رفض المجلس المحلى لمستوطنة يروحام إدخال الفلاشاه إليها، وفى صفد تظاهر السكان ضد إعطاء المهاجرين من إثيوبيا بيوتاً، كما هدد أولياء أمور الطلاب في المدارس الدينية بالامتناع عن إرسال أطفالهم إليها إذا استمر أطفال الفلاشاه معهم، وشكا رئيساً بلدية عكا ونهارياً من توطينهم في بلدتيهما بحجة أن هذه مدن اصطياد سياحية، ووجود الفلاشاه لا يساعد كثيراً على اجتذاب السياح، فهو يخلق التوتر ويزيد تفاقم ظاهرة العنصرية في المدينة.
وليس من المتوقع أن تحقق محاولة استيعاب الفلاشاه فى التجمع الصهيوني نجاحاً كبيراً، فمع تفاقم الأزمة الاقتصادية فيه، لن يمكن تدبير المبالغ اللازمة لاستيعابهم وتحقيق المستوى المعيشي العالي الذي يضمن سكوتهم، وقد انعكس الصراع بين الدينيين واللادينيين داخل التجمع الصهيوني عليهم، فقد دأبت الوكالة اليهودية على إرسال أبنائهم للمدارس الدينية، وهو أمر لا يقبله الصهاينة اللادينيون، كما أن كثيراً من المهاجرين الفلاشاه الجدد، من سكان المدن لا يتمسكون كثيراً بالدين، وبالتالي فهم يمانعون في إرسال أولادهم للمدارس الدينية، وقد بدأ يصل مع المهاجرين الفلاشاه نموذج جديد وهو الفلاشى المتعلم الذي لا يحتقر ثقافته الوطنية بالضرورة، ويجيد التعامل مع المؤسسات الحديثة، وهذه العناصر بدأت تتولى القيادة بين المهاجرين والدفاع عن حقوقهم.
وأكبر دليل على فشل عملية الاستيعاب تلك الأخبار التي نشرتها الصحافة الإسرائيلية عن حوادث الانتحار الفعلية، ومحاولات الانتحار العديدة التي قام بها يهود الفلاشاه، وتهديدهم بالانتحار الجماعي، وقد أنشأ بعض اليهود منظمة "مهاجري إثيوبيا"، لا لتسهيل استيعابهم وتوطينهم، بل للعمل على تهجير جزء منهم إلى كندا.
ويطرح المسيري السؤال التالي: ما الذي يمكن إن تربحه الدولة الصهيونية من تهجير ما بين 25-35 ألف يهودي من إثيوبيا، العدد الكلى للفلاشاه في إسرائيل، خصوصاً أنها كانت تدرك بعض المشاكل التي ستنجم عن هذه الهجرة؟ يمكننا ابتداء استبعاد العنصر الإنساني، فلو كان الدافع إنسانياً لانصب اهتمام الكيان الصهيوني على تحسين أحوالهم في بلادهم، وعلى الدفاع عن حقوقهم هناك، ولشمل كل ضحايا المجاعة في إثيوبيا، ولعل أول الدوافع الحقيقية هو الدافع المالي، فالقصص المثيرة عن تدهور حال يهود إثيوبيا تؤدى إلى تدفق التبرعات، كما أن هناك مردوداً إعلامياً، فإسرائيل دولة معروفة للعالم الغربي بعنصريتها، ولذا فإن إنقاذ يهود الفلاشاه، السود الأفارقة قد يحسن صورتها بعض الشيء.
وهذه الدوافع المادية، المالية والإعلامية، دوافع حقيقية ولكنها سطحية، أما الدافع الحقيقي الكامن وراء تهجير الفلاشاه فهو أزمة النظام الصهيونية العقائدية والسكانية العميقة، فالكيان الصهيوني يعانى من نضوب مصادر الهجرة اليهودية، إذ أن يهود الغرب المتحمسين يكتفون بإرسال الشيكات وبرقيات التأييد الحارة ولا يهاجر منهم إلا القليل النادر، أما يهود الاتحاد السوفيتي فهم بالمثل يؤثرون الهجرة، إن هاجروا، إلى الولايات المتحدة، لكن العنصر البشرى أساسي بالنسبة للاستعمار الاستيطاني الإحلالي، والفلاشاه سيساهمون بلا شك فيى سد هذا العجز، وسيساعدون آلة الاستيطان والحرب على الاستمرار، كما أن الفلاشاه زراع مهرة، ويمكنهم زراعة الأرض التي استولت عليها الدولة الصهيونية، خصوصاً بعد انصراف المستوطنين عن فلاحتها، وتعانى المؤسسات الزراعية الصهيونية من ندرة الأيدي العاملة اليهودية، وتضطر لاستئجار عمالة عربية، وقد يبطئ وجود الفلاشاه هذه العملية قليلاً.
ومن الواضح إن الفلاشاه هو تعبير عن مقدرة الصهاينة على الحركة والإنجاز، ولكنه أيضاً تعبير عن أزمة صهيونية، وهى عملية تحل بعض المشاكل مؤقتاً، لكنها ستفجر بعض المشاكل الأخرى، وبكل حدة، داخل الكيان الصهيوني، وقد تفجرت مرة أخرى مع وصول الفلاشاه مسألة من هو اليهودي، كما أنها تساعد على التشكيك في المقولة الصهيونية الخاصة بوحدة الشعب اليهودي، إذ يأتي الفلاشى بملامح وقيم وعادات مختلفة، ولنتخيل يهودياً أمريكياً أشقر من أصحاب المذهب الإصلاحي، أو يهودياً علمانياً، أو يهودياً ملحداً يقف بجوار يهودي من الفلاشاه أسود البشرة، يرقص في "مسجده" اليهودي في الأعياد، فهل سيقتنع الاثنان بأنهما ينتميان إلى شعب واحد؟
ينتشر الفلاشاه في إسرائيل داخل أراضى فلسطين المحتلة عام 1948، كما ينتشرون في الأراضي المحتلة عام 1967، وأكبر تركيز لهم في الضفة الغربية المحتلة بمستوطنة كريات أربع في الخليل، ومناطق الجليل الأعلى بمدينة صفد، ويتركز عدد لا بأس به منهم في عسقلان، أما الباقون فهم موزعون على الضواحي الاستيطانية حول مدينة القدس مثل راموت وبيت مئير وتلة زئيف.
وقد نشبت أزمة مؤخراً حين كشف النقاب عن إن بنك الدم الإسرائيلي أخذ يتخلص بالتدريج من مخزون الدم الذي يتبرع به يهود الفلاشاه، خوفاً من أن تكون هذه الكميات ملوثة بفيروس مرض الإيدز، وأيد وزير الصحة الإجراءات التي يقوم بها البنك!
يهود الفلاشاه.. تاريخ وهوية
14 مارس/آذار 2011 الساعة . 10:37 ص بتوقيت القدس