الغيتو، في الأصل، يعني الحي المقصور سكناه على إحدى الأقليات الدينية أو القومية، إلا أن كلمة "غيتو" استخدمت بشكل خاص للإشارة لأحياء اليهود في أوروبا، وأقيم أول حي يهودي، يُطلق عليه كلمة "غيتو" في البندقية عام 1516، وأقام البابا بول الرابع، غيتو آخر في روما عام 1555، وأصل الكلمة غير معروف على وجه الدقة، فيقال إنها حي لليهود في البندقية نسبة إلى "الغيتو" أو مصنع المدافع، الذي أقيم بجواره، ويقال أيضا إن الكلمة مشتقة من الكلمة الألمانية "جهكتر"، التي تعنى "مكانا محاطا بالأسوار"، أو الكلمة العبرية "غت" بمعنى "الانفصال" أو "الطلاق" الواردة في التلمود، ولعل أكثر الافتراضات قربا من الواقع هو الذي يعود بالكلمة إلى لفظة "بورغيتو" الإيطالية، التي تعنى "قسماً صغيراً من المدينة".
وقد اكتسبت كلمة "غيتو" في العصور الحديثة، مَعْناً قدحيا سلبيا، من المعروف أن إنشاء الأحياء، التي تركز اليهود فيها قد تم طواعية، أي برغبتهم هم، كأقلية دينية، ففي عام 1084، منح أسقف إحدى المدن الأوروبية، اليهود، "الحق" في أن يعيشوا داخل حي خاص بهم، محاط بأسوار عالية، وحينما غزا المسيحيون الأندلس طالب اليهود "بنفس الحق"، وكان اليهود يعترفون بالجوانب الإيجابية للغيتو، حتى أنه كانت تقام الصلوات كل عام في غيتو فيرونا، احتفالاً بالذكرى السنوية لإنشائه، ولم يكن استيطان اليهود في أحياء خاصة بهم، أمراً شاذاً مقصوراً عليهم، فالفصل بين الطبقات والفئات، كان أمراً طبيعياً، وسمة جوهرية، من سمات التنظيم الاجتماعي المعمول به، في مجتمعات العصور الوسطى، الزراعية والإقطاعية، كان الغيتو رمزاً مادياً لواقع اقتصادي محدد، وهو اشتغال اليهود بأعمال التجارة ثم بالرَّبا، فالأقليات اليهودية كانت تعتبر بمثابة اتحادات تجارية أو حرفية.
وهكذا، كانت الجماعات الاقتصادية في المجتمع الزراعي، ذات طبيعة مغلقة، لأن المجتمع الإقطاعي، لا يتسم بأية سيولة أو ديناميكية اجتماعية، عزز هذا الاتجاه بين الجماعات اليهودية، بشكل خاص، بناءها الديني القومي، فالقوانين اليهودية المختلفة خاصة قوانين الطعام، وتحريم الزواج المختلط، والاحتفال بالختان، والزواج، وصلاة الجماعة وعادات الدفن والمدافن الخاصة، فرضت على اليهود نوعاً من الانعزال شبه التام، وكان داخل الغيتو طبقات مختلفة، فكان هناك الغنى والفقير، والمستغل، إلا أن الطبيعة المنغلقة لهذا البناء الاقتصادي، جعلت كل الطبقات تتداخل، فكانت الأقلية اليهودية، تقوم برعاية مصالح كافة أعضائها، بصرف النظر عن انتمائهم الطبقي، وهو ما يفسر سر الوحدة الوجدانية، بين البورجوازية والبروليتاريا اليهودية، وظل الغيتو يقوم بدوره الإيجابي، كبنيان اقتصادي اجتماعي، يوفر لليهود الاستقلال الداخلي، الذي يبغونه، كطبقة لها مصالحها ومشاكلها الاقتصادية والدينية الخاصة.
وبالتحول التدريجي للمجتمع الإقطاعي، وظهور أنماط من الرأسمالية التجارية المحلية، بدأ اليهود يفقدون دورهم الاقتصادي، وانهار مركزهم عبر القرون، من تجار دوليين إلى مرابين، ثم إلى صغار مرابين، يقومون بإقراض مبالغ صغيرة من النقود للمواطنين العاديين، الذي كانوا يرهنون ممتلكاتهم الخاصة، ويدفعون فوائد باهظة، وحينما كان يعجز المدين عن الدفع، تصبح السلعة المرهونة ملكاً للمرابي، الذي كان يسلمها للشخصية الأساسية الثانية في الغيتو التاجر المتجول، إلى جانب ذلك، ظل اليهود يقومون بأعمال خفيفة، مثل التطريز، وحياكة الملابس، والحلاقة.
تسبب انهيار الأساس الاقتصادي للغيتو، في انهيار معنوي وأخلاقي كامل، كما زاد من حدة اضطهاد العالم الخارجي، للقاطنين فيه، وأصبح هو المكان الذي "يُعزل" اليهود فيه، بعد أن كان المكان الخاص المقصور عليهم، ثم تحول الغيتو إلى مكان قذر للغاية، تتفشى فيه الأمراض، وتتراكم فيه القاذورات، وتحيط به أسوار عالية، ذي بوابة واحدة أو بوابتين، ويمنع اليهود من مغادرته بعد منتصف الليل، وفي أيام الآحاد، وفي أعياد المسيحيين.
تضاعف عدد اليهود في أواخر القرن الثامن عشر، مما أدى إلى ازدحام الغيتوات، وضاعف من المشكلة صغر مساحة الأرض المصرح لليهود ببناء منازلهم عليها، مما اضطرهم في غالب الأمر إلى الاتساع الرأسي، فكانت منازل الغيتو متلاصقة، كما أنها كانت تتميز بارتفاعها الذي يفوق ارتفاع منازل المدينة، وتسبب ارتفاع المنازل وتلاصقها، إلى حجب الشمس عن حارات الغيتو، فأصبحت بذلك، رطبة وغير صحية.
ترك الانحطاط الاقتصادي والمعماري للغيتو، أثراً عميقاً على وجدان اليهود القاطنين فيه، وعمّق من انفصالهم عن العالم الخارجي، ففي الغيتو، كان اليهودي يهرب من العالم الخارجي، لعالم كان يتصور أن كل ما فيه يهودي خالص، فقد كان يمارس طقوسه اليهودية بكل حرفيتها، دون حرج، ثم يمتنع عن العمل يوم السبت، حتى يعجل بعودة المسيح المنتظر ليقود شعبه لأرض الميعاد، وحينما كان اليهودي يحاول أن يدرس شيئاً، فإنه كان يذهب إلى بيت هامدراش ـ المدرسة الملحقة بالمعبد اليهودي ـ أو يذهب إلى المدرسة التلمودية، حيث كان لا يدرس إلا التوراة والتلمود والمدراش، ولا يقترب البتة من تاريخ الغير، فكل ما يعنيه، تاريخ اليهود، كما جاء في كتب اليهود المقدسة، لذلك، كان اليهودي يعيش نفسياً في مكان كان يتصور أنه "فلسطين"، وإن كان يعيش واقعياً في أحد غيتوات شرق أوروبا أو وسطها، وهي الغيتوات التي أفرزتها الصهيونية.
الغـيتو
14 مارس/آذار 2011 الساعة . 10:37 ص بتوقيت القدس