الرائد الكريري: اللواء شخصية مركبة.
المسعف دبابش: كنت أول من دخل مدينة عرفات للشرطة للإسعاف.
العقيد خلف: عملنا تحت أحلك الظروف لتفويت الفرصة على المتربصين.
النقيب عبد الدايم: خرجنا أقوى عزماً
صباح هادئ شق هذا الهدوء صوت أفراد الدورات العسكرية، وهم يتدربون على المشيات العسكرية ، في ظهيرة ذلك اليوم السبت ، وعلى حين غرة غطت أسراب من الطائرات سماء غزة، تبعها أصوات انفجارات متتالية لم تترك المجال لأحد لمعرفة ما يدور حوله ، خلال دقائق انسحبت هذه الطائرات مخلفة ورائها سحبا من الدخان المتصاعد الذي يخفي تحته 232 شهيد و700جريحاً ودماراً كبيراً في المقرات الأمنية بالإضافة إلى نشر الرعب في المنازل والمدارس المحيطة بتلك المباني التي تم استهدافها .
استجمعت الشرطة الفلسطينية قواها لترى ما حل في جسدها الممزق فما بين شهيد وجريج مقطع الأطراف أو مبعثر الأمعاء وجدت أن الجسد قد قطع من رأسه فقد كان على رأس قائمة الشهداء قائدهم مدير عام الشرطة اللواء توفيق جبر، لكنهم أدركوا أنهم أمام عدو غاشم هدف إلى إبادة روح الصمود فتجمعت قواهم ولملمت جراحهم ماهي إلى لحظات حتى استلمت القيادة الجديدة شراع السفينة، وبدأت الحياة تدب من جديد ، فاستطاعوا تأمين المقرات الأمنية ومقدراتها من السلب ونهب المتربصين وان يربطوا على الجراح ويسيروا بالسفينة نحو بر الأمان .
تأسيس نواة في كل مركز
كان هناك قرار بتفعيل الدورات في مراكز الإصلاح والتأهيل والانضباط والنجدة والبرتوكول ودورة التأهيل ال18، هذا ما أكَّده الرائد أحمد الكريري مدير مكتب اللواء توفيق جبر آنذاك ،ومدير مكتب العميد أبو مصعب البطش حالياً حيث أفاد( في اليومين السابقين للحرب كان هناك تحذيرات لكن اللواء تواصل مع وزير الداخلية سعيد صيام وطمئنه بهذا الخصوص).
في صبيحة هذا اليوم كان اللواء في نشاط غير مسبوق، نزل إلى مفترق (ضبيط الوحدة) وبدأ بتنظيم المرور، في الثامنة وعشر دقائق عاد إلى مكتبه، وتناول الإفطار معنا، وقال لي لا أريد أن يدخل عليَّ أحد أريد كتابة أمر مهم، دخلت عليه عدة مرات لبعض الأمور الطارئة وكان منهمكاً فيما يكتب، عند الضربة الأولى دخلت عليه فوجدته يمسك جهاز اللاسلكي ويصرخ ( قصف،إخلاء بسرعة لجميع الدورات)، رفض النزول من المكتب ولكن فرضنا عليه الأمر بالقوة، وأثناء نزوله كان يلقي الأوامر ، تفقد الوضع فبينما يتفقد الأشلاء والجرحى في مدينة عرفات للشرطة باغتته طائرة استطلاع بصاروخين واستشهد على الفور، حاولنا التكتيم على الخبر كي لا يؤثر على ثبات عناصر الشرطة خصوصاً أن هذه من أهم الأمور العسكرية التي يتم التكتم عليها للمحافظة على الروح المعنوية لافراد الشرطة ، ، لكن تم لملمة الجراح واستطعنا تأمين حراسات للجوازات، لأن جميع الحراس الخارجيين استشهدوا وتم تحويل دفة القيادة العميد أبو عبيدة الجراح .
عن أهم الصفات التي كان يتميز بها اللواء الشهيد قال الرائد الكريري (أن اللواء عمل تحت أحلك الظروف حيث انسحاب 12 ألف شرطي، وعودة 400 فقط من السلطة القديمة بعد الحسم عام2006م، اللواء احتوى الظروف والإشكاليات التي واجهت العمل الشرطي من قلة إمكانيات وقلة العدد ، استطاع أن يمد جهاز الشرطة بأموال تستعيد بها قوتها، وعزز من أعداد المتطوعين في كل مكان المرور والنجدة وشرطة البلديات، و انشأ نواة في كل مركز) .
توجيهات اللواء على البريد كانت قصة بحد ذاتها كان يعطي تأشيرة وتكون قاعدة يسير عليها المدير في كثير من الإشكاليات التي تعرض عليه ، كان يتعامل مع جميع أطياف المجتمع وليس فقط أصحاب الطبقات العالية، كان يفصل بين عمله ومشاكله الخاصة كان من الصعب تكوين فكرة عامة عن اللواء لأنه كان يوزع شئون حياته عند أكثر من شخص ، اللواء ترك أفراداً يكملون مشواره الذي بدأه) .
الكارثة كانت اكبر من تحمل قدرات المسعفين
لم يكن في تصوري في يوم من الأيام أن أقف في مثل هذا الموقف، وأجد أكوام من الشهداء والجرحى والاستغاثات، والكل يحتاج للمساعدة، فلم أعرف بمن ابدأ بجريح قطع نصفين أم بآخر مبتور القدمين الكل يصرخ في مشهد يصعب عليَّ وصفه حيث رائحة الموت تفوح من كل مكان.
بهذه الكلمات بدأ المسعف رامي دبابش حديثه أحد فرسان الخدمات الطيبة العسكرية حيث أكَّد أنه كان أول المسعفين الذين وصلوا إلى مدينة عرفات للشرطة، التي كان لها نصيب الأسد من عدد الشهداء والجرحى ، ووصف ماحدث بأنه أشبه بكابوس لا يوصف.
وقال "حينما دخلت إلى ساحة حفظ النظام والتدخل، وجدت عدداً كبيراً من الشهداء والجرحى والتي لم يعهد لنا أن نرى مثلها من قبل حاولت أن أتملك أعصابي وتناولت الجهاز اللاسلكي صارخاً بإرسال أكبر قدر ممكن من سيارات الإسعاف، وبدأت بإنقاذ ما يمكن إنقاذه وقمت بإسعاف 4 مصابين بسيارة واحدة والتوجه إلى المستشفى دون التفكير حتى بالخطر الذي يحيط بي، لأن الكل كان مستهدف لدى الاحتلال الصهيوني.
بعد ثلاث سنوات من الدمار نحن نعيش الآن مرحلة البناء
في معرض حديثه عن استخلاص العبر والدروس من الحرب على غزة، أكَّد العقيد محمد خلف مساعد قائد الشرطة أنه من الطبيعي أن الضربة الأولى كانت مفاجأة وغادرة، الأمر الذي أدى إلى ارتقاء عدد كبير من الشهداء، وأشار إلى أنه كان معد مسبقاً لخطة للتعامل مع تلك المواقف حيث تم توزيع أفراد الشرطة لحماية الجبهة الداخلية، وتنظيم السير، وإلقاء القبض على كل من يساعد قوات الاحتلال ويسهل مهامه، لأن جيش الاحتلال الصهيوني كان متوقعاً أنه بالضربة الأولى ستنهار الشرطة، وبالتالي تعم الفوضى والانفلات الأمني وتخرج الأمور عن السيطرة و يسهل مهامهم في قطاع غزة ويحقق لهم أهدافهم، ولكن الشرطة استطاعت أن تعمل وفق خطة محكمة في تلك الظروف العصبية وأوصلت الرواتب إلى الموظفين بالرغم من الاستهداف .
وأشار خلف أنه بالرغم من استهداف كافة مقرات الشرطة في القطاع ، إلا أننا عملنا من كل مكان وبدون مواقع ومراكز، ولم يسجل علينا أي اختراق أمني في الجبهة الداخلية وعملنا ليل ونهار من أجل الحفاظ على الأمن وإسقاط المخطط الصهيوني.
ومنذ انتهاء اليوم الأول للحرب أعددنا الخطط وورشات العمل، التي استخلصنا منها العبر والدروس كي لا نتعرض إلى هذه الخسائر التي وقعت في صفوف الشرطة .
وشدَّد العقيد خلف أننا نعمل الآن وفق أكثر من خطة للتعامل مع أصعب الظروف ،ووفق كافة الاحتمالات ، بالإضافة إلى تأسيس غرفة عمليات مشتركة في وزارة الداخلية لحشد الطاقات والتنسيق الميداني أمام مكونات الوزارة لتحقيق الأهداف ).
عشنا زمن اللاعودة
الشرطة النسائية كانت حاضرة في ساعة الحرب وشاهدت الحدث وروته لنا النقيب فايزة عبد الدايم مسئول محافظة الشمال للشرطة النسائية فتقول: "كنا في زيارة مع العلاقات العامة بالشرطة لمركز أبو مدين في محافظة الوسطى، قبل دخلونا البوابة الرئيسة للمركز قاموا بالتأكد من هوياتنا، وعند الانتهاء من الزيارة غادرنا المركز وعلى بعد أمتار منه، وفي لمحة البصر وجدناه كومة من الرماد ، والسماء ملبدة بطائرات إل اف 16 شعرت في تلك اللحظة أن النهاية قد اقتربت ، ونحن الآن في زمن اللاعودة" .
بعد مضي ثلاث سنوات على الحرب وبفضل الله وبثباتنا، استطعنا أن نخرج أقوى شكيمة وأكثر ثباتاً من هذه الهجمة ، فلم يجد الضعف بيننا مكان ولم يقتات الخور من أنفسنا على مدار أيام الحرب ، بل عدنا أكثر عزيمة وهمة، واستطعنا أن نتخطى جميع الحواجز النفسية التي خلفتها الحرب والحمد لله نحن نمارس الآن عملنا بشكل قوي جداً ولن يستطيع العدو بأي حال أن يؤثر على عزيمتنا).
الشعب كان الحضن الدافئ لأبناء الشرطة
وكما الأم الرؤوم تحتضن ولدها احتضن الشعب الشرطة في أصعب ظروفها فكانت بيوته مأوى لهم ومؤسساته مراكزهم فكانوا نعم المحضن للشرطة وأبنائها .
وهذا ليس بغريب على الشعب الفلسطيني وفي ظل تلك الظروف العصيبة فالشعب راهن على حياته من أجل العزة .
ففتحت الناس أبواب بيوتها للشرطة لتفتحها مقرات، وتواصل عملها من خلالها وأسقط ما راهن عليه الأعداء والمتربصين من انقلاب الشعب على الحكومة .
احتضن الجرحى والمصابين ونقلهم بسيارته الخاصة بالرغم من الخطر المحدق بهم في مثل هذه الظروف ولكن هذا ما عهدنا عليه شعبنا المرابط الصامد.
الحياة علمتنا أن القوي كلما زادت عليه الضغوط لا تزيده إلا صموداً وتحدياً، وستبقى الشرطة الفلسطينية عنوان للأمن والأمان والصبر والثبات، والدرع الواقي لأبناء الشعب الفلسطيني وستستمر على عهدها في الوفاء للشهداء والجرحى.