اليهود الجدد والعقيدة اليهودية في أميركا

2 مارس/آذار 2011 الساعة . 10:54 ص   بتوقيت القدس

بقلم: د. عبد الوهاب المسيري - صحيفة الاتحاد الإماراتية




«اليهود الجدد» مصطلح قمنا بصكه لوصف هوية أعضاء الجماعات اليهودية والتي ظهرت تدريجياً بعد عصر الانعتاق وتَصاعُد معدلات العلمنة حتى أصبحت النموذج السائد فيه. ويشار لليهود الجدد في كثير من الدراسات بأنهم "يهود ما بعد عصر الانعتاق" أو "يهود العالم الغربي" أو "اليهود الغربيون".

فعلى المستوى الديني، نجد اليهودي الجديد «المتدين» (باستثناء قلة صغيرة) ينتمي عادةً إلى فرقة من الفرق اليهودية الجديدة (الإصلاحية أو المحافظة أو التجديدية) التي تؤمن بصياغة مخففة للغاية من اليهودية. وهو قد يُصنِّف نفسه يهودياً متديناً ومع هذا لا ينتمي إلى أي من الفرق. وهذا الانتماء الديني يأخذ شكل الإيمان ببعض الأفكار الغامضة عن وجود الإله وبعض المبادئ الأخلاقية العامة الموجودة في معظم الأديان والمنظومات الأخلاقية. وهو إيمان منفصل تماماً عن الشعائر الدينية والإثنية اليهودية، فقد اختفت، بشكل كامل تقريباً، الشعائر الدينية اليومية التي تنظم حياة اليهودي، بل واختفت الشعائر الأسبوعية والشهرية ولم يبق سوى الشعائر السنوية ذات الطابع الاحتفالي والتي لا تتطلب أية عملية ضبط للذات. بل، على العكس، يتحول الاحتفال بالشعائر إلى فرصة لتأكيد الذات والإفصاح عنها وإدخال قدر من المتعة عليها. ولذا، تم التركيز على تلك الشعائر ذات القيمة الجمالية أو الإثنية، أو تلك التي تشبه بعض الطقوس والشعائر (المسيحية) بحيث يستطيع الجميع الاحتفال بشعائرهم في ذات الوقت وفي رقعة الحياة العامة. وانطلاقاً من هذا يقومون مثلاً بإيقاد الشمعدان في عيد الحانوخاه في ديسمبر (حتى في وقت الاحتفال بالكريسماس) أو تزيين المنزل بشجرة "الحانوخاه" التي ليس لها أي مضمون ديني (وتشبه تماماً شجرة الكريسماس). بل وهناك العم ماكس رجل الحانوخاه، بديل بابا نويل أو سانتا كلوز. وهذا اليهودي الجديد قد يذهب إلى المعبد اليهودي ولكنه يفعل ذلك مرة أو مرتين في السنة (عادةً في يوم الغفران وربما في عيد الفصح). والشعائر تُقام لا باعتبارها شعائر دينية وإنما باعتبارها حدثاً اجتماعياً إذ تحوَّل الزمان الديني المقدَّس (بالإنجليزية: هولي تايم holy time ) إلى احتفال عائلي، أي إلى زمن عائلي (بالإنجليزية: فاميلي تايم family time )، ثم تحول الزمن العائلي بدوره إلى "وقت الفراغ" أو "الويك إند". أو عطلة نهاية الأسبوع (بالإنجليزية: هوليداي holiday ).

أما بخصوص شعائر السبت (الأساسية حسب الشريعة اليهودية) فإن اليهود الجدد بدل أن يقيموها حسب الشريعة، بكل طقوسها وتحريماتها، فإنهم ينتقون منها بعض الشعائر السهلة مثل إيقاد الشموع (أقل من 50% من الأميركيين اليهود يقيمون شعائر البيت). كما يمكن لليهود الجدد أن يُصروا على إقامة احتفال بلوغ سن التكليف (بارمتسفاه) لأطفالهم (حتى لا يختلفوا عن أقرانهم المسيحيين ممن يحتفلون بتثبيت التعميد). ولكن هذا الاحتفال، تماماً مثل الاحتفال بالحانوخاه، مُفرَّغ تماماً من أي مضمون ديني أو حتى أي مضمون إثني حقيقي. فهو حَدَث استهلاكي ضخم يُشبه الاحتفال بعيد الميلاد حين يحتفل الإنسان بميلاده البيولوجي لا بميلاده الديني. وبدلاً من أن يتذكر اليهودي أنه قد وصل إلى السن التي يجب عليه أن يحمل فيها نير العهد ويُنفذ الوصايا والأوامر والنواهي، فإنه يعقد حفلة فاخرة مكلفة وسوقية (تثير حفيظة كثير من الحاخامات). وقد لخص أحد الحاخامات الموقف الديني في الولايات المتحدة بقوله: «إن يهود أميركا قد أصبحوا أقل تديناً وأصبحت يهوديتهم أكثر تأمركاً». ويمكن إعادة صياغة هذا القول لينطبق على يهود المجتمعات الغربية ككل.

أما من الناحية الإثنية، فيُلاحَظ أن اليهود الجدد يتحدثون لغة البلد الذي ينتمون إليه، وقد يستخدمون كلمة عبرية هنا وكلمة يديشية هناك، لكن هذا لن يعوق عملية التواصل الرشيد البرجماتي. وتُعَدُّ الإنجليزية، وليس العبرية، لغة معظم يهود العالم إذا أضفنا يهود أستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا وإنجلترا وكندا إلى الأميركيين اليهود، وهي اللغة التي يتحدثون بها ويحبون ويكرهون ويتعبدون ويدبجون مؤلفاتهم الدنيوية والدينية بها.

ومن الواضح أن الحضارة الغربية الحديثة قد بهرت الكثيرين من اليهود وحلت محل ثقافتهم اليهودية التقليدية تماماً. وكما قال أحد المعلقين، فإن يهود العالم الغربي يعرفون موتسارت ومايكل جاكسون، ولكنهم لم يسمعوا بموسى بن ميمون ولا يعرفون عن مضمون التلمود شيئاً، وبعضهم يصاب بصدمة عميقة حينما يعرف عن بعض جوانب التلمود المظلمة والسلبية. وغني عن القول إن النسق القيمي الذي يتبناه عامة اليهود الجدد والأميركيون اليهود هو نسق مادي استهلاكي، شأنهم في هذا شأن عامة جماهير المجتمعات الغربية. والواقع أن الإسهامات الثقافية المتميِّزة ليهود العالم الغربي، في مجالات الأدب والفنون التشكيلية والعلوم، تُعَدُّ من أكبر الشواهد على مدى اندماجهم في هذه الحضارة وتَملُّكهم ناصية مصطلحها. فهي إسهامات غربية علمانية بالدرجة الأولى، وقد تكون لها نبرة يهودية حين تتناول أحياناً موضوعات يهودية، ولكن المجتمعات الغربية لا تُمانع في هذا بتاتاً ما دامت هذه النبرة لا تتعارض مع أداء اليهودي في رقعة الحياة العامة.

ولذا، يستطيع اليهودي أن يُعبِّر عن إحساسه بالانتماء للتراث اليهودي (دون إلمام به)، وأن يتباهى أمام الجميع بذلك، وأن يشعر بالفخر بالإنجازات اليهودية، ويشتري أعمالاً فنية يهودية (نجمة داود- شمعدان المينوراه- أعمال شاجال- أفلام وودي آلن)، ويشتري أيضاً بعض الهدايا التذكارية (سوفينير) من إسرائيل، ويُساهم في المناسبات والمؤسسات الخيرية والثقافية اليهودية أكثر من أقرانه من غير اليهود. ولكن كل هذه أمور هامشية بالنسبة لانتمائه لمجتمعه ولأدائه في رقعة الحياة العامة.

ولا تمارس هذه المجتمعات أي تمييز ضد اليهود أو ضد أية أقلية أخرى، فرقعة الحياة (العلمانية) العامة مفتوحة أمام الجميع، وبإمكان الجميع الالتقاء فيها بعد أن يطرحوا جانباً خصوصياتهم الثقافية والدينية، أو بعد أن يتركوها في منازلهم في رقعة الحياة الخاصة. وفي رقعة الحياة العامة يمكنهم أن ينخرطوا، ما حلا لهم الانخراط، في البيع بأعلى الأسعار، والشراء بأرخصها، والبحث الدائم عن اللذة وعن التخفيضات والأوكازيونات، دون أي تمييز على أساس العقيدة أو الجنس أو اللون.

ولا يتفاعل اليهود الجدد مع ثقافة إسرائيل العبرية إلا باعتبارها ثقافة أجنبية يربطهم بها اهتمام خاص، تماماً مثلما يتفاعل المهاجر الإيطالي مع الثقافة الإيطالية حينما يدفعه الحنين الرومانسي إليها (نوستالجيا nostalgia ) وذلك دون أن يضحي بهويته الأميركية.

ولكن الشكل الأساسي للهوية المعلنة بين الأميركيين اليهود واليهود الجدد بشكل عام هو إعلان انتمائهم الصهيوني بشكل متشنج حتى يضفوا ما يشبه المضمون الإيجابي الصلب على هذه الهوية اليهودية الجديدة الهشة السطحية، فهي تجعل الأميركي اليهودي فرداً من الشعب اليهودي القديم فخوراً بتراثه ورموزه القومية، خصوصاً الرمز القومي الأكبر، أي الدولة الصهيونية. ولكن، بشيء من التحليل المتعمق، سنكتشف أن يهود العالم الغربي والأميركيين اليهود أي اليهود الجدد قبلوا الصهيونية حسب شروطهم هم. ونحن نقسم الصهيونية إلى نوعين: صهيونية استيطانية، أي أن يهاجر المواطن اليهودي من بلده ويتحول إلى مستوطن صهيوني في فلسطين، وصهيونية توطينية أو صهيونية الغوث والمعونة والهوية، وهذه صهيونية تترجم نفسها إلى تبرعات مالية لإسرائيل للمساعدة في توطين اليهود الآخرين، وإلى تأييد وضغط سياسيين من أجلها، وإلى مصدر من مصادر الهوية. وقد أصبحت الدولة الصهيونية بالنسبة لهؤلاء اليهود الجدد هي البلد الأصلي مثل إيطاليا بالنسبة للإيطاليين وأيرلندا بالنسبة للأيرلنديين ولبنان بالنسبة للبنانيين، فكأن الأميركيين اليهود قد تَقبَّلوا الصهيونية بعد أمركتها، تماماً مثلما فعلوا مع اليهودية! فالبلد الأصلي هو البلد الذي تهاجر منه، وليس البلد الذي "تعود" إليه كما يقول الصهاينة.

والله أعلم.