دولة الاحتلال ليست "البيت" الوحـيـد لليـهـود

2 مارس/آذار 2011 الساعة . 03:30 م   بتوقيت القدس

بقلم: يوني غولدستين - هآرتس

تاريخ اليهود ذوي الأصول الروسية في مونتريال في كندا بدأ قبل أكثر من مائة عام: تحالف من اليهود والـمسيحيين في الـمدينة جمع الـمال لـمساعدة اليهود للفرار من الامبراطورية الروسية بسبب الـمذابح الكثيرة التي نفذت ضدهم بعد اغتيال القيصر الكسندر الثاني في آذار 1881.

هناك تقديرات مختلفة لعدد اليهود من أصل روسي حاليا في مونتريال: الفيدرالية اليهودية الـمحلية تعتقد أن في الـمدينة أقل من عشرة آلاف يهودي ناطق بالروسية، إلا أن الـمصادر الرسمية في الجالية الروسية تدعي أن العدد ضعف ذلك. على أية حال، حقيقة أن هناك مركزا للجالية وصحيفة اسبوعية باللغة الروسية تشير الى أن اليهود ذوي الاصول الروسية قد أسسوا في الـمكان جالية فاعلة ديناميكية يبلغ عدد اليهود فيها عموما مائة ألف نسمة.

على غرار اغلبية الـمدن خارج اسرائيل التي نوجد فيها جالية يهودية، يعيش اليهود في مونتريال مع تحديات كثيرة. الـمدينة شهدت اعمالا لاسامية كانت معتدلة في السابق، وفي محافظة كويباك هناك بعض العداء لكل من لا ينطق بالفرنسية، وليس لديه استعداد لتعلـمها. ولكن اليوم اكثر من أي وقت مضى زال في نظر الكثير من السكان سحر الحركة الداعية الى السيادة على كويباك، تلك الدعوة التي شكلت التهديد الاكبر ليهود مونتريال في السبعينيات وفي بداية التسعينيات. هذه فترة من الجيد أن يكون فيها اليهودي في مونتريال. ولكن يبدو أن منظمة "نتيف" - التي كانت منظمة سرية، ومنذ الخمسينيات تعكف على تهجير اليهود من الاتحاد السوفييتي سابقا الى اسرائيل - ووزير التهديدات الاستراتيجية في اسرائيل افيغدور ليبرمان لا يفكرون مثل يهود مونتريال. وفقا لـمقالات نشرت مؤخرا في صحيفة "هآرتس" وفي وكالة الأنباء اليهودية الاوروبية، وبعد أن لـم يتبق في الاتحاد السوفييتي سابقا يهود يمكن تهجيرهم الى اسرائيل، تخطط "نتيف" لحملة جديدة في اميركا الشمالية من اجل اقناع يهود من أصول روسية هناك بالهجرة الى اسرائيل.

هذه استراتيجية غريبة جدا. "نتيف" تنوي التحرك والنشاط في دولة توجد فيها جاليتان راسختان وكبيرتان من اليهود من اصول روسية (الجالية الثانية موجودة في تورنتو حيث يعيش 90 ألف يهودي من أصل روسي)؛ حيث يشعر اليهود بالأمن، وتزدهر الجالية اليهودية منذ سنوات طويلة. اضافة الى ذلك، هذه دولة تتدفق عليها مجموعات كبيرة من الـمهاجرين الـمعدومين ويُقبلون فيها بجموعهم، حيث يستطيعون تشبع التعدد الثقافي والشعور بالانتماء. عندما يحاولون اقناع اشخاص بمغادرة كندا الوادعة والـمزدهرة للفوز بحياة أفضل في الشرق الاوسط، فليس هناك شك بأننا أمام اشكالية معينة.

الوحيدون الذين يظهرون بصورة سيئة في كل هذه الحكاية هم منظمة "نتيف" (منظمة كانت تابعة لـ "الـموساد" سابقا) وليبرمان. قرار محاولة اقناع اليهود بالهجرة من مونتريال خاطئ في أحسن الأحوال. ولكن زيادة على ذلك هو يشير الى أن الـمهمات السرية لتهجير اليهود الى اسرائيل التي كانت خبزا شرعيا لـمنظمة "نتيف" بين الخمسينيات والتسعينيات، لـم تعد ضرورية. طوال ثلاثين عاما كانت "نتيف" مسؤولة عن مساعدة عدد لا ينتهي من اليهود الذين فروا من الاتحاد السوفييتي، إلا أن ذلك العمل الـمهم انتهى. اليهود الذين كانوا محرومين في السابق من الهجرة تحت الحكم الشيوعي أصبحوا اليوم قادرين على اختيار الـمكان الذي يذهبون اليه بكل حرية بما في ذلك اسرائيل.

في واقع الامر اختيار "نتيف" لـمونتريال كمحطة اولى في اميركا الشمالية يبرهن بالضبط على مدى انعزال هذه الـمنظمة عن الواقع. وفقا للتقديرات الفيدرالية اليهودية في الـمدينة، 80 - 85 في الـمائة من اليهود من أصل روسي الذين يعيشون في مونتريال جاءوا اليها من اسرائيل. هؤلاء الاشخاص قد استعانوا في السابق بخدمات "نتيف"، ورغم ذلك في مرحلة معينة قرروا بأن اسرائيل ليست الـمكان الـملائم لهم. ليس هناك سبب للاعتقاد بأنهم سيفكرون الآن بالعودة رغم جهود وكلاء الهجرة الساعية لاقناعهم.

مشروع "نتيف" في مونتريال سيمنى بالفشل لان منفذي الهجرة الابطال الذين عرفناهم في غابر الايام لـم يعودوا ببساطة ملائمين للقرية العالـمية اليهودية اليوم. استخدام التكتيكات الصهيونية القديمة التي تصف اسرائيل كحصن أخير ضد كارهي اليهود في العالـم، لـم تعد تؤثر في الناس. هناك في نهاية الـمطاف اماكن اخرى في العالـم ملائمة لتكون بيتا لليهود. ومونتريال هي أحد هذه البيوت.

ربما آن الأوان لان تعيد اسرائيل النظر في علاقاتها مع يهود الشتات بصورة عامة، وأن تعترف بأن هناك اماكن اخرى في العالـم ملائمة لليهود. في اللحظة التي ستقوم فيها بالخطوة الاولى، ستكون الـمرحلة القادمة الاعتراف بأن العلاقات بين اسرائيل والشتات يجب أن تتغير بصورة شاملة. بدلا من اعتبار الشتات والـمهاجر بيتا مؤقتا لليهود، غير القادرين أو غير الـمستعدين في حينه للهجرة الى اسرائيل، يجب على اسرائيل أن تبذل جهودها في اقامة العلاقات مع الجاليات اليهودية في أرجاء العالـم. من الأجدر بـ "نتيف" التي مرت بعملية اعادة تنظيم وفقا للتقارير، وتتمتع بميزانية سمينة، أن تكرس جزءا من ميزانياتها لتحسين حياة هذه الجاليات، مثلـما بذلت هذه الجاليات عبر السنين اموالها وجهودها لرفاه اسرائيل ورخائها. اليهود من أصول روسية الذين يعيشون في مونتريال لن يتوجهوا الى أي مكان، وكذلك الحال مع اغلبية اليهود الناطقين بالروسية، أو أي لغة اخرى في اميركا الشمالية وجنوبها وفي اوروبا ايضا. كلـما سارعت حكومة اسرائيل للاعتراف بهذه الحقيقة، كلـما سارعت الى بناء علاقة جديدة عضوية مع كل اليهود الـمقيمين خارج اسرائيل الـمسرورون جدا للبقاء في الاماكن التي يتواجدون فيها.