بقلم: يوئيل ماركوس
يتوجب على حكومة اولمرت أن لا تقدم تنازلات مجانية لزعيم بلا رصيد وبصورة مسبقة في انابوليس، والإقدام على التسوية بأي ثمن، أنابوليس يبدو من هنا مثل سراب في يوم قائظ في وسط الصحارى. شيء ما هناك يبدو أبيضا في الأفق، إلا أن أحدا لا يعرف من هناك وماذا يوجد هناك. الأمر المعروف هو أن لقاء أو قمة أو مؤتمرا سيعقد هناك، وسيبحثون خلاله في التسوية النهائية قدر المستطاع بين دولة الاحتلال والفلسطينيين. لم يتحدد بعد اسم رسمي لهذا الحدث، ولا موعدا دقيقا لعقده، وفي هذه الاثناء لم يُدع أحد اليه بعد، ولم يتحدد له جدول اعمال.
يتحدثون عن السادس والعشرين من تشرين الثاني. وإذا لم يكن في تشرين الثاني ففي كانون الأول. وإذا لم يحدث في كانون الأول فبعد الأعياد، سواء عُقد قبل عملية اولمرت أو بعدها، المشروع هو مبادرة شخصية من وزيرة الخارجية الأمريكية رايس بعد فشل الهجوم على العراق حيث ترغب في تقديم هدية وداعية لبوش من "حارتنا". مساهمة بوش لن تكون مشابهة للتدخل العميق الذي قام به كل من كارتر وكلينتون في كامب ديفيد الأول والثاني. الآن يتحدثون عن لقاء قصير. لقاءا دوليا وليس مؤتمرا دوليا. النية تتجه إلى دعوة الأوروبيين وروسيا والدول الإسلامية المستعدة للاعتراف بدولة الاحتلال في حدود 1967. باختصار، مؤتمر متعدد الأطراف حيث سيكون كل من اولمرت وأبو مازن نجوما فيه كصانعين للسلام بأحرفه الأولى.
المسألة ليست مفاوضات وإنما خطابات وتصريحات نهائية حول المبادئ التي ستجري عليها المفاوضات الرامية إلى إقامة دولتين للشعبين. المضمون سيتحدد مسبقا من خلال المفاوضات التي تشرف عليها رايس. إذا تقرر مسبقا تقسيم القدس فلن تكون لاولمرت أية قدس. نفس الشيء يُقال في كافة المسائل التي يتقرر مسبقا ما يُقال فيها وما لا يُقال خلال اللقاء. السعودية مثلا قد أوضحت أنها ستطالب بحق العودة، وإذا أصرت على موقفها هذا، فهي لن تشارك في المؤتمر.
هناك فرق جوهري بين دور رايس وتدخل بوش. بإمكان رايس أن تكون حازمة تجاه دولة الاحتلال، أما الضغط فيمكنه أن يأتي من جانب الرئيس فقط. بوش الذي يوشك على إنهاء ولايته من دون تفجير المفاعلات النووية الإيرانية، ومن دون إخراج الجيش الأمريكي من العراق، يريد اولمرت كرئيس وزراء في دولة الاحتلال آمنة. رايس تلقت تعليمات من رئيسها بعدم الضغط على اولمرت للقيام بأي شيء يعتقد هو انه يشكل خطرا على أمن دولة الاحتلال.
الرئيس متمسك بمبدأ الدولتين لشعبين جنبا إلى جنب. خريطة الطريق تبدأ بالتزام الفلسطينيين بإيقاف المقاومة، والى جانبه التزام صهيوني بإزالة المستوطنات. لن تكون هناك قمة و/ أو لقاء دولي إذا لم تكن هناك صيغة اجماعية مسبقة حول هذه التفاصيل في "لب" الصراع، دولة الاحتلال توافق على هذه المبادئ؛ ولكن المشكلة هي أن الاتفاق الذي سيوقع عليه اولمرت وأبو مازن في أنابوليس سيلزم نصف فلسطين من الناحية الفعلية فقط. أبو مازن سيعزز موقعه في نظر العالم، ولكن ليس في نظر اغلبية أبناء شعبه. الجمهور في دولة الاحتلال لا يملك القوة ولا الحماسة للاقدام على مزيد من التسويات الوهمية مع الفلسطينيين.
ما حدث بعد اخلاء غوش قطيف وترحيل المستوطنين بالقوة، ترك في نفوسنا لسعة من خيبة الأمل من التطلع للتخلص من حلم ارض دولة الكيان الكاملة، وتقليص قوة المستوطنين المتعصبين. سدروت والتجمعات السكانية في غلاف غزة لم تستمتع بلحظة من الهدوء. من الصعب الاعتقاد أن دولة ذات قوة كدولة الاحتلال تتلقى يوميا صواريخ القسام التي تسقط على سكانها طوال سنوات. هل كان اريئيل شارون سيتوجه في مثل هذه الظروف الى انابوليس؟ أبو مازن ومساعدوه الذين يرتدون جميعا بدلات اوروبية، وفقا لذوق داليا ايتسيك اللطيف، يثيرون الانطباع بأنهم يتطلعون الى السلام. ولكنهم في دخيلة أنفسهم لم يتعافوا بعد من مرضهم المزمن المتمثل بعدم تفويت أية فرصة لتضييع كل الفرص المتاحة للحصول على دولة خاصة بهم، بعد واحد وستين عاما من قرار التقسيم. الاتفاق حول "لب" الصراع يعزز من مكانة القادة الضعفاء، ولكن بصورة رمزية فقط. إن آجلا أو عاجلا ستسقط السيطرة على فلسطين كلها بيد حماس. أطراف استخبارية في اسرائيل تشعر بالذهول من عملية تحويل "عصابات" حماس الى جيش نظامي حقيقي في غزة، يرتدي الزي الرسمي ويحمل السلاح، الامر الذي قد يتسرب عما قريب الى الضفة الغربية. خطوات قطع الكهرباء كعقاب جماعي لن تمنعهم من ذلك.
حكومة اولمرت تخاطر بنفسها عندما توافق على تقديم تنازلات في قضايا "اللباب" للسلطة الفلسطينية. هذا الاتفاق الذي يعرف الجميع أن نصف الشعب الفلسطيني فقط ملتزم به، ولذلك هو لا يساوي قيمة الورقة التي سيكتب عليها. على اولمرت أن يتوجه الى أنابوليس كسيد للسلام، ولكن عليه أن يتصرف هناك كسيد للأمن. أنابوليس أمر جيد، ولكن ليس بأي ثمن.
لماذا يقدم أولمرت تنازلات مجانية لزعيم بلا رصيد؟
2 مارس/آذار 2011 الساعة . 03:30 م بتوقيت القدس