بقلم: عدنان أبو عامر
بدون مقدمات، وفي ذروة الاتصالات الجارية عشية انعقاد مؤتمر الخريف في أنابوليس، أعلن رئيس جهاز الشاباك الصهيوني كشف النقاب عن نية نشطاء فتحاويين اغتيال رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت قبل عدة أشهر، وقد تم الإعلان عن هذه القضية في أعقاب معلومات ذكرت أنه تم إطلاق سراح أفراد الخلية التي خططت لحادث الاغتيال.
خلفية الحادث كما أفاد "يوفال ديسكين" تعود إلى أربعة أشهر حين قرر أولمرت وعباس عقد لقاء في مدينة أريحا، إلاّ أن أفراد جهازه المنتشرين في شتى أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة، وقبل موعد اللقاء كشفوا عن نية عناصر من فتح اغتيال أولمرت، حيث قام الشاباك باعتقال عضوين في الخلية، مما زوده بمعلومات أدت لاعتقال ثلاثة آخرين، لكن اللقاء الذي كان مقرراً تم إلغاؤه لأسباب أخرى، ومع ذلك فقد وصل الاثنان إلى اللقاء الذي تم لاحقاً وهما يرتديان سترات واقية للرصاص.
السؤال الذي يطرح هنا: هل حقا ما أعلنه الشاباك؟ وإن كانت الإجابة نعم، يأتي السؤال التالي: ما السر في توقيت الإعلان عن هذه المحاولة الفاشلة؟ وأي أهداف تبتغي دولة الاحتلال من نشر هذه المعلومات؟
الجدير بالذكر أن الإعلام الصهيوني الذي أورد الخبر مساء منتصف الأسبوع في صدر نشراته الإخبارية، أشار إلى أن التكتم على الأمر، استثنيت منه الإدارة الأمريكية التي أبلغتها وزيرة الخارجية تسيبي لفني بالحادث، لكن الاتصالات السرية ظلت متواصلة، إلى أن سمح رئيس الوزراء لرئيس الشاباك بنشر القضية في أعقاب ورود معلومات تشير إلى أن السلطة الفلسطينية قامت بإطلاق سراح أفراد الخلية قبل حوالي شهر، الأمر الأكثر إثارة في الكشف عن القضية "الغامضة" يشير إلى أن الخلية التي خططت لاغتيال أولمرت تشكل جزء من نظام الأمن والحماية المخصص لقافلته!
إلى هنا ينتهي الخبر الصهيوني، وإليكم التحليل الذي يكمن في النقاط التالية:
1- إمكانية نفي الخبر أو تأكيده أمر ليس في أيدي أحد سوى الصهاينة أنفسهم، وهم مصدر الخبر، وأفراد الخلية المزعومة الذين لم يعلم بهم أحد قبل الكشف الأخير، وبالتالي يبقى الأمر طي الغموض والتكتم إلى حين توفر مصادر أخرى تؤكد أو تنفيه،
2- فيما لو تم تأكيد الخبر فعلا، هل نرى أن من السهولة استهداف رئيس وزراء دولة الاحتلال "بأمنها ومخابراتها"، وفي داخل مدينة كأريحا التي تصنف استخباريا بأنها "ساقطة أمنيا"!
3- أكثر من ذلك، فأين وسائل الحماية المناطة بها توفير نظام أمن وحماية متقدم من نوعه، وأين السيارات المصفحة، والوهمية، التي يعتمدها أقل الناس خبرة ودراية أمنية؟
4- السؤال الأكثر أهمية: هل فعلا تمكن نشطاء فتحاويون من الوصول إلى أريحا والإعداد لعملية اغتيال أولمرت في جو من التكتم، بحيث لا تصل إليهم أذرع المخابرات الصهيونية من جهة، وعيون وألسنة "فرسان" التنسيق الأمني؟
الحقيقة أن الكثير من الحقائق السابقة والاستفسارات المذكورة أعلاه، تحمل قدرا لا بأس به من التشكيك وعدم الدقة، ومع ذلك فلن نصدر حكما ينفي بالمطلق إمكانية قيام نشطاء مسلحين بمحاولة التدبير، لكن الحديث عن توقيت الإعلان عن هذه العملية تطرح أهدافا غاية في الأهمية، أهمها:
1- التوقيت جاء في ذات الوقت واللحظة التي وطئت فيها أقدام أولمرت العاصمة الفرنسية، وكأنه أريد تقديم دعاية صهيونية مجانية مسبقة، تمهد الطريق إلى "مدى التضحية" التي يقدمها رئيس الحكومة في سبيل السلام والتسوية مع الجيران الفلسطينيين الذين لا يقدروا هذه التضحيات!
2- العامل الأمني كان بارزا في هذا التوقيت من ناحية الإشارة الدائمة التي تشير إلى أن أجهزة الأمن الفلسطينية ليست مؤهلة بما فيه الكفاية لتسلم السيطرة على مدن إضافية في الضفة الغربية، وبالتالي التوصية بالتمهل رويدا رويدا في إمكانية منحهم المزيد من الأراضي والمدن من جهة، ومن جهة أخرى تعزيز الرأي الذي تطرحه المؤسستين الأمنية والعسكرية اللتان ما فتئتا تناديان بعدم الاندفاع خلف "أحلام السلام"،
3- الرغبة الصهيونية المسبقة بعدم التعامل بجدية مع مؤتمر الخريف نظرا للكثير من العوامل الداخلية والخارجية، ومع ذلك فلا بأس من التمهيد الأمني لهذا الموقف بالإعلان عن عدم جدية الفلسطينيين في هذا المشوار، وبالتالي البدء عمليا منذ الكشف عن هذه الخطة بإعلان السيمفونية الصهيونية القديمة الجديدة "فقدان الشريك الفلسطيني".
أخيرا...إمكانية تقديم الرواية الصهيونية على أنها حقيقية وصادقة أمر يتنافى بالضرورة مع أبسط بديهيات التعامل مع الإعلام الصهيوني، لاسيما من قبل المشتغلين بالسياسة اليومية، وأولئك الذين يملكون إطلالة متواضعة على آليات صنع القرار في تل أبيب وكيفية صناعة الإشاعات والتحضير لاتخاذ مواقف سياسية مسبقة، بحيث يتم استحضار بعض العمليات الأمنية المتوهمة لتحقيق أغراض سياسية..ومن أعياه استيعاب هذه الفكرة، بإمكانه الرجوع إلى مذكرات كبار قادة أجهزة الأمن الصهيونية ورؤساء الحكومات ورموز الصحافة والإعلام في الدولة العبرية، وحينها سيجد أن ما سبق قوله في هذه السطور ليس ضربا من الخيال ولا إعجابا بفكرة المؤامرة!
هل تم التخطيط فعلا لاغتيال أولمرت؟
2 مارس/آذار 2011 الساعة . 03:30 م بتوقيت القدس