مؤتمر تشرين الثاني عبارة عن لقاء بين ثلاث بطات عرجاء لكل منها مشكلاتها ولكن أحدا لا يستبعد المفاجآت، موظفو البيت الابيض في واشنطن يعرفون جميعا أن من المحظور عليهم أن ينطقوا بكلمة واحدة بوجود الرئيس جورج دبليو بوش، وأن التفوه بها يشكل خطرا حقيقيا عليهم: كلينتون. ليست هناك شخصية أكثر بغضا بالنسبة لبوش من سلفه. بوش ووالده وأمه لا ينسون للحظة كيف قام بيل كلينتون بالقاء بوش الأب من فوق درجات البيت الابيض، وبعد ذلك احتفل في الشرق الاوسط بصورة بهيجة: سلام مع الاردن واتفاق مع الفلسطينيين. والآن من الذي يطل برأسه عبر النوافذ الى داخل "الغرفة البيضاوية"، مكتب الرئيس، في ذلك المقر؟ يا ويلتاه، انه كلينتون ولكن مع حذاء ذي كعبين في هذه المرة، الله هو الساتر.
بوش الأب عاد الى مزرعته في كينيبينكفورت ماين مكشوف الرأس: التاريخ الامريكي سيذكره بالأساس كمسؤول عن "وصمة" العراق، وبوش الابن الذي أراد أن يزيل وصمة العراق الاولى التي تسبب بها والده – لن يتمكن من غسل وصمته هو حتى لو استخدم ألف مغسلة من مغاسل التاريخ، مسألة لا تصدق، مؤتمر أنابوليس المنعقد في تشرين الثاني يمكن أن يكون بالنسبة لبوش الابن كمسحوق غسيل لا بأس به، ومبيض للبصمات اذا تجسد في تسوية بين الاسرائيليين والفلسطينيين.
قبل أن يصل الى الخط الأخير بايام قليلة ودخوله لسنته الاخيرة كرئيس امريكي، ومن قبل أن يتحول الى "بطة عرجاء" مكتملة، يمكن للرئيس الامريكي أن يشتري عالمه ومكانته وأن يضحك حتى على كلينتون: بوش اذا أراد واذا قرر يمكنه أن يفرض التسويات حتى درجة السلام بين الطرفين المتسببين بوجع رأس مزمن للعالم كله. العودة الى "الغرفة البيضوية" كمنتصر.
بوش؟ هل يستطيع؟ في الوقت الذي يربض فيه حجر الرحى العراقي فوق رقبته ومكانته في الحضيض على المستوى الشعبي، ربما يرغب جورج دبليو جدا بأن يتصرف على هذا النحو، يريد ولكنه لا يستطيع. بامكانه في أقصى الاحوال أن يتمتم على مسامع اهود اولمرت: كيف يمكن الخروج من ذلك؟ بوش يقصد بسؤاله على ما يبدو العراق ومؤتمر أنابوليس على حد سواء. اذا كيف السبيل للخروج من ذلك حقا؟ حتى اذا رغب بوش بذلك بكل ارادته – غضب، صرخ وهدد – ففرصته ليست جيدة: أمامه قائدين معتدلين وديين للفلسطينيين والاسرائيليين وأفضل من أي وقت مضى، ولكنهما غير قادرين على بيع البضاعة.
اولمرت صاحب الدعم البرلماني الاسرائيلي الذي لم نشهد له مثيلا منذ سنوات يعرف جيدا أن هذا ما يريده بالضبط وما يجب أن يفعله: التوصل الى اتفاق دائم مع الفلسطينيين بسرعة بحيث يكون اتفاقا قويا ومعتبرا. عندئذ سيطلقون عليه في كتب التاريخ "أبو السلام"، "الشخص الذي وضع نهاية لصراع دموي دام مائة عام"، وحتى الياهو فينوغراد سيخرج حينئذ في رقصة مسرورة، اولمرت سيعتبر حينئذ واحدا من اثنين حتى ثلاثة قادة عظام شهدتهم دولة اسرائيل عبر تاريخها.
إلا أن اولمرت يعرف جيدا انه من اللحظة التي سيوقع فيها على الاتفاق في واشنطن الى أن يصل القدس بعد عشر ساعات طيران، سيفقد دعمه البرلماني بما في ذلك حزب العمل. آخرون سيقولون: السلام الشامل مع الفلسطينيين؟ عليه أن يبدأ قبل ذلك بازالة كرفانين واربعة مستوطنين من بؤرة "تسالمونيم ز" الاستيطانية، أما أبو مازن فلا حاجة لتضخيم الكلمات حوله، فقد كُتب كل شيء وقيل. عليه أن يشكر ربه في ظل وضعه الداخلي الحالي لانه ينهض في كل صباح ويجد نفسه واقفا على قدميه. اذا تنازل الاسرائيليون في اطار التسوية الشاملة فسيرتب له أتباع حماس مكانا تلقائيا في المقبرة – الى جانب عرفات وأبو جهاد والشيخ ياسين ويحيى عياش وآخرين، الله يرحمه.
"البطات العرجاء" الثلاث سيلتقين في الشهر القادم في واشنطن، والمسألة التي توحدهن وتقربهن هي: كيف يمكن العودة الى البيت مع أقل قدر من الضرر؟ الجميع يذكرون فشل كامب ديفيد في ايام اهود براك وعرفات – الله يستر، وربما ستبدأ هذه البطات العرجاء فجأة بالركض؟
ثلاث بطات عرجاء تلتقي معا في الخريف
2 مارس/آذار 2011 الساعة . 03:30 م بتوقيت القدس