منذ قيام دولة الاحتلال، كان تركيز حكامها على التسلح. ودائما تباهت الدولة العبرية بـ"جيشها الذي لا يقهر"، والذي عجزت جيوش الدول العربية مجتمعة عن التغلب عليه. وهكذا شرع كبار الخبراء العسكريين الإسرائيليين، ومنذ تأسيس الجيش الإسرائيلي في وضع عقيدة عسكرية، وطريقة لتنظيم الجيش، اضافة إلى عملية الاعداد والتسليح. وانشأت إسرائيل لنفسها مذهباً عسكرياً خاصاً بني على دعائم محددة، وخضع لمجموعة من التجارب الكثيرة والمنوعة وفي ظروف مختلفة، واستمد اصوله من منابع تاريخية ودينية ذات امتداد زمني طويل، وخاضت حروباً ومعارك كثيرة، ادت إلى تثبيت عناصره واغنائها وتطويرها بالتجربة والممارسة والاحتكاك بالوقع.
واذا كانت معظم المذاهب العسكرية قديماً وحديثاً تضمنت تعاليم في عمليات الدفاع والهجوم، وجولات في فنون الكر والفر، فان العقيدة الإسرائيلية تركز على تلقين رجالها أن إسرائيل لا يمكن ان تحتمل خسارة الحرب، وهزيمة إسرائيل تعني زوالها من الوجود. لذا كان لابد من التزام تطبيق المعطيات الاولية التي اخذها المخططون الإسرائيليون في الاعتبار والتي ارتكزت على وقائع مهمة قائمة لايجوز تجاهلها او الالتفاف عليها بأي شكل من الاشكال ومن بينها:
- الوضع الجغرافي الذي يلعب دوراً أساسياً في مجال توقيت العمليات الحربية واتجاه الضربة الرئيسية.
- الوضع الديموغرافي كون إسرائيل محاطة بطوق سكاني من الدول العربية يفوق عددها بعشرة اضعاف تقريباً في دول المواجهة فقط. هذا الوضع يدفع إسرائيل إلى اعتماد نظرية "تفوق الفرد"، والعمل على تأهيله من النواحي الحضارية والعلمية والعسكرية.
- العامل الديني ويلعب دوره الاساس في العقيدة الإسرائيلية كونه يحمل مفاهيم وقيما يهودية تعتنقها الدولة الإسرائيلية، وتعمد القيادة الإسرائيلية إلى تلقين عناصر الجيش تاريخ اليهود العسكري من ايام داوود وموسى ويوشع وشاؤول...
- العامل الاقتصادي بحيث ان مستقبل إسرائيل السياسي يرتبط إلى حد كبير بمقوماتها الاقتصادية، ومدى قدرتها على الحفاظ على الاكتفاء الذاتي.
- الموارد الطبيعية والارض والزراعة، فإسرائيل بلد فقير بالموارد الطبيعية ما عدا البحر الميت الغني بالاملاح المعدنية. وتعمل إسرائيل على تطوير زراعتها واعتماد المكننة والتنوع بإنتاج الحمضيات، لتساهم في زيادة الانتاج الزراعي الذي يساهم في تحسين العامل الاقتصادي.
ومن المعطيات الاخرى التي ارتكزت عليها العقيدة العسكرية الإسرائيلية الصناعة، ونمو الصناعات العسكرية الإسرائيلية، ودورها في الاقتصاد الإسرائيلي، اضافة إلى التجارة الخارجية وميزان المدفوعات الإسرائيلي.
حرب تموز
شكلت حرب تموز الماضية ضد لبنان التي خاضها الجيش الإسرائيلي، محطة لاعادة النظر في برامج الجيش العسكرية وفي عقيدته القتالية، وفي خططه العملانية، بعدما اخفق في تحقيق النصر على "حزب الله" في لبنان. وكانت المواجهة التي دارت في وادي السلوقي وبنت جبيل وغيرها من بلدات وساحات مواجهة، بين الإسرائيليين ورجال المقاومة قد قلبت الموازين والمفاهيم.
فوصف "حزب الله" معارك بنت جبيل في السادس والعشرين من تموز الماضي بـ"الملحمة العسكرية"، فيما وصفها الاعلام الإسرائيلي بأنها "اسوأ يوم للجيش الإسرائيلي منذ سنوات"، وأقرت إسرائيل بمقتل تسعة من جنودها احدهم برتبة ضابط، وجرح 22 آخرين.
وتطلق إسرائيل على جيشها تسمية "جيش الدفاع الإسرائيلي"، في إطار الظهور أمام الرأي العام الدولي أنها الدولة المستهدفة التي تحمي نفسها وتدافع عن وجودها، فيما الوقائع الميدانية وما ذكره تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي، يسجل أن دولة إسرائيل ما كانت في تاريخها إلا المعتدية، والمهاجمة للدول العربية المجاورة، وخصوصا لبنان. لذا كان من الأفضل إطلاق تسمية جيش الهجوم الإسرائيلي على جيشها الذي يضم ألوية وكتائب وسرايا عدة، ولعل أفضلها وأكثرها تدريباً لواء "غولاني" الذي تزجه إسرائيل في المعارك، لثقتها بفاعليته.
إلا أن هذا اللواء فقد بعضاً من هيبته وقوته في المعارك التي دارت خلال عدوان تموز الماضي على مشارف بنت جبيل وفي مارون الراس، بعد حوإلى ثلاثين قتيلاً وجريحاً من أفراده، وعجزه عن اقتحام البلدة، واضطراره إلى الانسحاب مهزوماً أمام ضربات رجال "حزب الله"... كما أن الجيش الإسرائيلي الذي يعتبر من أقوى جيوش المنطقة تسليحاً، ويتباهى بفاعلية دبابة "الميركافا" الإسرائيلية الصنع والتي تعتبر آلة القتال الرئيسية لجيشه، ويعمل على تسويقها في سوق التسلح العالمية، تلقى ضربة موجعة من جراء تدمير عدد من هذه الدبابات على أيدي رجال الحزب، والذين سبق لهم أن اجروا دورات تدريبات مكثفة على تركيبة هذه الدبابة وفاعليتها ونقاط القوة والضعف فيها حتى تأقلموا معها، واكتشفوا بعضاً من أسرارها.
لواء "غولاني"
ويعتبر من وحدات النخبة في الجيش الإسرائيلي، وقد شارك في معظم العمليات العسكرية التي قامت بها إسرائيل ضد لبنان، شعار هذا اللواء: "إن النصر في الحرب لا يأتي بالضرورة من العدد الكبير للمقاتلين". أنشئ لواء "غولاني" بتاريخ 28/2/1948 بعد تقسيم لواء "ليفانوني" المتمركز في شمال فلسطين إلى لواءين اصغر حجماً. وتمركز هذا اللواء في مرتفعات الجليل السفلي شمال فلسطين المحتلة وأوديته، وضم عناصر من منظمة "الهاغاناه"، إضافة إلى عدد من المستوطنين، وقاتل في حرب 1948 على الحدود الشمالية لفلسطين، وفي معارك احتلال صفد والناصرة.
وفي ما يأتي ابرز المعارك التي خاضها اللواء:
- حرب 1956: كلف لواء "غولاني" السيطرة على منطقة رفح بهدف فتح الطريق أمام القوات المدرعة الإسرائيلية المتقدمة في سيناء.
- حرب 1967: قاتل اللواء على جبهة الجولان، وكلف احتلال تلتي العزيزات وفهر الاستراتيجيتين لتحكمهما في منطقة سهل طبريا. وقد تكبد اللواء خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، ولم يتمكن من احتلال هذين الموقعين إلا بعد نجدته بوحدات ميكانيكية ومدرعة. وقدرت خسائره آنذاك بأكثر من 50 قتيلاً، بينهم قائد كتيبة "باراك"، كما قامت كتيبة أخرى من هذا اللواء بعملية إنزال من الطوافات على تلال جبل الشيخ.
- حرب 1973: قبل بدء الحرب كان اللواء يحتل مراكز مراقبة متقدمة في القطاع الشمالي لجبهة الجولان، وقد سقطت هذه المواقع في أيدي وحدات الجيش السوري، ولم يتمكن لواء "غولاني" من استعادة بعض مراكزه السابقة إلا في 22 تشرين الأول، في إطار هجوم معاكس كبير نفذته فرقة الجنرال رافائيل ايتان. وقد تكبد اللواء في هذا الهجوم خسائر كبيرة قدرت بأكثر من 100 إصابة بين قتيل وجريح.
- حرب 1982: شارك اللواء في عدوان 1982 على لبنان وكان رأس حربة الوحدات الإسرائيلية، وقد قاتل في مناطق النبطية وكفر صير، وقام باحتلال قلعة الشقيف التي تمركزت فيها إحدى كتائبه حتى التحرير.
يتألف لواء "غولاني" من اربع كتائب مشاة إضافة إلى وحدة استطلاع أنشئت حديثا، وهي متخصصة بأعمال التخريب والتفخيخ. وهذه الكتائب هي:
1 - كتيبة "باراك"، وتسميتها تعود إلى قاض ديني ورد اسمه في التوراة. وقد أنشئت هذه الكتيبة مع إنشاء اللواء، وكان قطاع عملها قبل عام 1982 في منطقتي الجليل السفلي ووادي الأردن.
2 - كتيبة "جدعون" (أيضا تسمية دينية)
3 - كتيبة "الصدم"، وهي رأس السهم في اللواء، جرى إلحاقها به، بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وحل اللواء "جيفعاتي" الذي كانت تابعة له.
4 - كتيبة "براعم غولاني"، وهي تستوعب المتطوعين الجدد في اللواء.
5 - وحدة الاستطلاع "ايغوز": هي وحدة النخبة في اللواء، وقد أنشئت قبل4 سنوات، وهي متخصصة بأعمال التفجير والتفخيخ والخطف، وقد تولت زرع عبوات في منطقة الجنوب، ومنها في منطقتي الزوطر والكفور.
وتعتبر أوساط عسكرية أن الضربة التي تلقاها لواء "غولاني" في المعارك العسكرية التي دارت في جنوب لبنان، تستلزم عملية إعادة تأهيل وتنشئة تجعله يستعيد معنوياته وتقوم قيادته دورياً بتعبئته معنوياً، وعقائدياً.
دبابة الـ"ميركافا"
تعتبر دبابة الـ"ميركافا" آلة القتال الرئيسية لدى الجيش الإسرائيلي، وتمتلك إسرائيل نحو 1500 دبابة من طراز 3، 2، 1. وتعتبر الدبابة "ميركافا - 3” من عداد الجيل الثالث (فئة احدث أنواع الأسلحة) وتعمل إسرائيل حالياً على تسويقها في العالم.
وهنا أهم مميزاتها:
الوزن 56 طنا، الاستقلال الذاتي: 700 كلم.
الطول الإجمالي 7،45 أمتار، الوقود: ديزل.
العرض الإجمالي:3,7 أمتار، السرعة القصوى: حوإلى 50 كلم / س.
الارتفاع الأقصى: 2.75 متر، الطاقم 4 عناصر.
قوة المحرك: 9000 حصان، التسليح: مدفع 105، رشاش 7،62 (عدد3).
مدى الرمي الفعال للمدفع: 3 أميال حوالي 4.8 كلم.
ويمكن تركيب قواعد صواريخ "هل فاير" على برج الدبابة، كما ان مدفعها مجهز لإطلاق أنواع مختلفة من الصواريخ المضادة للدروع، وتعتبر الدبابة "ميركافا - 3" من اكثر الدبابات تصفيحاً في العالم، إذ يتخذ تصفيحها زوايا انسيابية بقصد تغيير مسار الصواريخ عند ارتطامها بها والإقلال من إمكان تضررها. ويدرس الآن خبراء السلاح الإسرائيليون إمكان إضافة صفائح من البورسلين إلى طبقات الموجة الانفجارية للصواريخ المضادة للدروع وتشتيتها، وذلك بعد نجاح رجال "حزب الله" في إصابة عدد من هذه الدبابات أثناء عملياتها في جنوب لبنان.
وتمتاز الدبابة ميركافا - 3 بدقة في التصويب يوفرها جهاز لايزر، كما تضم مناظير نهارية ليلية وأخرى حرارية قادرة على التقاط الموجات الحرارية للأجسام المعادية. إلى ذلك زودت الدبابة بجهاز يبث عند الحاجة دخانا خادعا للإيحاء بإصابتها ودخانا آخر تمويهيا لتضليل رماة الصواريخ.
الدبابة مزودة بنظام لإدارة المعركة يسمح بتحديد الأهداف العدوة وملاحقتها قبل أن تصبح ضمن حقل الرؤية، كما يؤمن إظهار المعلومات داخل الدبابة: خرائط، أرقام، صور للخارج على شاشات تمكن كل أفراد الطاقم من معرفة المحيط التكتي، وقامت أخيرا شركة "أوب" الإسرائيلية بتزويد الجيش الإسرائيلي بنظم حديثة تعرف بـ CVIS ، هي عبارة عن كاميرا تعمل ليل نهار وتقوم بتزويد الدبابة إلكترونياً ما يمكن أن يراه المرء في الخارج على شاشة، من دون الحاجة إلى فتح البرج والنظر من الفوهة. كما تقوم هذه النظم بتحديد مسافات الأهداف وملاحقتها وتعيين هويتها والتصويب عليها بحسب الأفضلية، حيث يقفل المعلم أتوماتيكيا على هذه الأهداف الثابتة أو المتحركة من دون حاجة إلى قيام الرامي بأي عمل من اجل تدميرها لاحقاً وذلك حتى مسافة تقرب من 5 كيلومترات.
اخيرا يبقى سؤال: هل ان اعادة النظر في الطريقة القتالية للجيش الإسرائيلي، وفي مخططاته التكتية والاستراتجية، ستكون نتائجها مزيداً من الويلات والدمار والقتل والمجازر في لبنان، ام ان الحلول السلمية ممكنة، والعودة إلى تطبيق اتفاقية الهدنة عام 1949، بعد خروج إسرائيل من مزارع شبعا، واطلاق سراح الاسرى والمعتقلين؟
إعادة النظر في العقيدة العسكرية الإسرائيلية
2 مارس/آذار 2011 الساعة . 03:30 م بتوقيت القدس