في الوقت الذي يوصي فيه حاييم رامون بايقاف إمدادات الكهرباء عن غزة، تُجري الحكومة مفاوضات – والتي اذا انتهت بالايجاب – ستسمح لغزة بانتاج كهرباء بقدراتها الذاتية. اليد اليمنى لا تعرف ما الذي تفعله اليد اليسرى؟ يتوجب أن نكون ايجابيين: حكومتنا تُبدي انفتاحا فكريا، فكل الخيارات مفتوحة ومُتاحة بما في ذلك الشيء وضده. ليست هناك ايديولوجيا جامدة ومحددة، وانما مرونة فكرية.
لمفاوضات التي يتحدثون عنها مع شركة "بريتش غاز" – الشركة الدولية صاحبة الامتياز في الغاز الطبيعي قبالة شواطىء غزة. اسرائيل معنية الآن (ولسبب ما كان ذلك بمثابة طابو في الايام التي كان فيها اريئيل شارون رئيسا للوزراء) بتنويع موردي الغاز، وتخشى من الاعتماد المفرط على مصر في ذلك. فلسطين مستعدة للبيع شريطة أن تتعهد اسرائيل بامداد محطة الطاقة في غزة بالغاز المستخرج من الحقل البحري. الجدل الكبير يدور حول الثمن. وهنا تظهر مرة اخرى المرونة الفكرية – رمز حكومة اولمرت.
عندنا يوجد الكثير من المنظّرين صبح مساء لأفضلية المنافسة الحرة والتجارة الحرة والخصخصة وغيرها من امتيازات الرأسمالية الخنزيرية – هذا وصف من شمعون بيرس للسياسة الاقتصادية. ولكن عندما يتعلق الأمر بالرأسماليين انفسهم وأصحاب رأس المال الكبير، تنتصب المرونة عاليا. هنا تبرز الحاجة الى التدخل الحكومي الفظ، من اجل الأرباح بالطبع.
"بريتش غاز" تريد الكثير من المال مقابل هذا الغاز. الثمن الذي تطلبه صعب على الرأسمالي العادي الذي يحب انتاج الكهرباء من الغاز الطبيعي، وسيكون من الصعب عليه ايضا المنافسة في بيع الكهرباء. منافسة من؟ منافسة عملاق الانتاج الكهربائي في اسرائيل - أوم – أوم انعدام النجاعة والكهرباء المجانية والرواتب المرتفعة وما الى ذلك – ألا وهو شركة الكهرباء.
أصحاب رأس المال توجهوا الى الحكومة يائسي: أنقذينا من أسنان الأسد البريطاني. ولتُقيمي احتكارا حكوميا يشتري الغاز من البريطانيين. أنتِ يا حكومتنا العزيزة تملكين القوة في مواجهة هذا الأسد المرعب. فلتستخدمي قوتك هذه لشراء الغاز من اجلنا – وبثمن رخيص. ولتروا العجب العجاب: أيديولوجيا السوق الحرة دُفنت في قمقم، والتجارة الحرة سُحبت من الوعي، وها هي حكومة اسرائيل تجري المفاوضات البلشفية: احتكار في مواجهة احتكار.
لنرجع للحظة لانعدام نجاعة شركة الكهرباء – البدعة المركزية لشركة مستشارين اجنبية كانت الحكومة قد استأجرت خدماتها. في الاقتصاد يعني انعدام النجاعة أن من الممكن انتاج المنتوج، وهو الكهرباء في هذه الحالة، بثمن أرخص. إلا أن أصحاب رأس المال عندنا جشعون طماعون. هم يجدون صعوبة في الانتاج الرخيص حتى بالمقارنة مع شركة الكهرباء. وهكذا وُجد الحل: أن لا تقوم الحكومة فقط بشراء الغاز بثمن رخيص، وانما أن تقوم برفع سعر الكهرباء علينا ايضا.
نائب رئيس "بريتش غاز" تفرغ في اطار المفاوضات لمقابلة صحفيين اسرائيليين وتعليمهم من تجربته الدولية. "عليكم أن ترفعوا سعر الكهرباء" – هذا هو الشعار. الحكومة سُرت للمساعدة البريطانية. الرأسماليون فرحون، وحتى شركة الكهرباء مسرورة لان ذلك قد يُخلصها من مصاعبها النابعة، حسب رأي الحكومة، من انعدام النجاعة. أي حل مدهش؟ ستكون الكهرباء أغلى ثمنا، وستوافق "بريتش غاز" على بيعنا الغاز، وسيكون لفلسطين أنبوب غاز تتعهد اسرائيل بعدم قطعه. جنة عدن في بدايتها.
اذا كان الامر جيدا الى هذا الحد، فلماذا لا نتعلم من هذه التجربة الايجابية؟ لماذا لا تشكل الحكومة احتكارا يشتري الخبز من المخابز بثمن رخيص مستغلة قوتها الاقتصادية كزبون منفرد؟ ولماذا لا تقوم هذه الحكومة بعد ذلك ببيع الخبز بثمن مساوٍ لكل الناس؟ لماذا يبررون اقامة احتكار حكومي فقط من اجل تحصيل أرباح الأغنياء وأصحاب رؤوس المال؟ ماذا بالنسبة للاحتكار الحكومي الذي يشتري الشقق بثمن رخيص ويؤجرها للمعنيين بالمساكن؟
في أحلامكم وعندما ترون نجوم السماء، هذا هو الرد الذي ستحصلون عليه من أرباب الاقتصاد عندنا. تشكيل احتكار يضمن مكسبا جيدا للرأسماليين – هذه مسألة جيدة وناجعة. أما اقامة احتكار يضمن البضائع لنا جميعا – فهذه مسألة غير ناجعة ومُسرفة وسيئة.
أين الحدود بين الجيد والسيء؟ الحدود هي المال، والكثير من المال. اذا كان لديك مال كثير فالحكومة مستعدة، كما يتضح، لتغيير الاتجاه وإبداء المرونة والاعتراف بالاحتياجات الخاصة. من الذي قال بأن حكومتنا رأسمالية ومفتقدة للرحمة والرأفة؟.
ماذا عن احتكار الغاز في غزة؟
2 مارس/آذار 2011 الساعة . 03:30 م بتوقيت القدس