قيادة اسرائيلية خاوية..

2 مارس/آذار 2011 الساعة . 03:30 م   بتوقيت القدس

الكاتب دافيد غروسمان، على ما يبدو لي، هو الذي ابتدع مصطلح "القيادة الخاوية" بصدد حكومة اسرائيل الحالية. الامور التي يمكنها ان تجسد هذا الخواء اكثر من سلوك الحكومة في قضية غزة، قليلة بطبيعة الحال. هذا ليس انتقادا لعمليات الجيش الاسرائيلي ضد التنظيمات المقاومة في "حماستان" – العكس هو الصحيح – ولكن جهاز الحرب ايضا يعرف أن هذه العمليات الموقعية المجزأة ليست هي الحل.
بعض المفكرين والمثقفين الذين تحول التوقيع على بيانات ومنشورات في قضايا مختلفة الى نهج حياة بالنسبة لهم، يقترحون اجراء المفاوضات مع حماس متجاهلين حقيقة أن لحماس طموح واحد حاسم: القضاء على دولة اسرائيل واليهود المقيمين فيها. اقتراح حماس لوقف اطلاق مؤقت للنار يجب ألا يفاجيء أحدا، لانها بحاجة الى مهلة زمنية لبناء جيشها. دعوتهم ايضا مصابة بانعدام المنطق: التفاوض مع حماس يعني التدمير التام لمكانة أبو مازن الذي يعتبره اولئك المفكرون انفسهم ورئيس الحكومة، سواء عن حق أو عن غير حق، شريكا للسلام.
ولكن موضوعنا ليس اولئك المفكرين والمثقفين – هم توأم سيامي لمفكرين آخرين في الغرب من أمثال بيرتراند راسل وفيكسو سارتر وآخرون الذين حجوا في الخمسينيات من القرن الماضي الى مقر اقامة كبير القتلة ستالين مُعبرين عن الكراهية لـ "صناع الحروب" في الدول التي يعيشون فيها برفاهية وحرية.
مهما كان هؤلاء غريبين عجيبين، فالامر الأكثر غرابة هو فقدان الحكومة للطريق والنهج. حكومة اسرائيل جاءتنا وأعلنت عن "القطاع" "منطقة معادية" وكأنها كانت بلدا صديقا قبل هذا الاعلان. من المحتمل أن تكون الحكومة قد انطلقت من التفسيرات الأقل اقناعا للقانون الدولي في هذا الموقف، ولكن الامر الواضح هو أن تغيير هذا الوضع الوهمي لم يغير من الواقع شيئا باستثناء بعض أوجاع الرأس التي لا داعي لها على المستوى الدولي. هذا على ما يبدو لم يكن ايضا الهدف الأساسي، وانما الرغبة في دفع الجمهور الاسرائيلي الى الاعتقاد واهما بأن هناك عملية تغيير قد حدثت.
سبقت هذا القرار في الاسابيع الاخيرة تصريحات تهديدية من وزراء مختلفين على شاكلة "سنقطع عنهم الكهرباء والماء"، "مقابل كل قسام سنطلق عليهم قذيفة من جانبنا"، وما الى ذلك. فعليا لم يحدث أي شيء.
ليس هناك أمر اسمه مقاطعة أو اغلاق من دون المساس بالسكان المدنيين، هذا ليس موجودا ولا يمكن ان يكون قائما. اذا كان الهدف دفع حكم حماس الى الانهيار من دون الحاجة الى عملية عسكرية واسعة النطاق، فالطريقة الوحيدة تتجسد في الضغط على اولئك السكان الذين أوصلوا حماس الى الحكم – والذين يمكنهم في الوقت ذاته أن ينزلوها عن الحكم.
ما هي على سبيل المثال فكرة فرض المقاطعة الاقتصادية على ايران إن لم تؤدِ الى تمرد السكان الايرانيين ضد النظام الذي تسببت سياسته بضائقتهم الاقتصادية؟ أو هل رمى الاغلاق البحري الذي فرضه البريطانيون على المانيا في الحربين العالميتين الى تجويع الجيش الالماني فقط أم السكان المدنيين تحديدا – حتى يتوقفوا عن تأييدهم للحرب؟.
اذا كانت الحكومة ترغب في هذه المرحلة بتفضيل هذا النهج، فليس بامكانها أن تواصل لعبة "يبدو لي". ولكن اذا قررت اتباع الوسائل العسكرية على غرار عملية السور الواقي فسيكون عليها وعلى جهاز الأمن أن يحددا الزمان والمكان الملائمين من دون اعتبارات غريبة مثل المسرحية المفبركة في تشرين الثاني في أنابوليس – ذلك لان حماس تزيد من تسلحها، والوقت لا يصب في مصلحتنا، لا عسكريا ولا مدنيا.