الارض لا يُنتج مزيد منها..

2 مارس/آذار 2011 الساعة . 03:30 م   بتوقيت القدس

بُشرنا مؤخرا بأن ضابطا كبيرا، تسرح من الخدمة لتوه، يقترح أن تُنقل الى الغزيين مناطق من النقب. وهو ليس الوحيد الذي يؤيد هذه الفكرة السخيفة. وكيف يفسر الضابط اقتراحه؟ لان غزة لم تصبح مثابة سنغافورة الشرق الاوسط، وسكانها يتكاثرون بوتيرة مثيرة للدوار، الحل السحري هو نقل اراض من قرى ومدن غرب النقب الى الغزيين وهكذا زيادة اراضي القطاع.
وماذا نفعل بعد عدة سنوات عندما يزداد مرة اخرى عدد السكان في القطاع – نسلمهم المزيد من الاراضي؟ بمعنى أنه ما يقترح علينا هو أن ينشغل الغزيون والغزيات بنشاط أكبر في التكاثر، أما نحن فنسلمهم اراضينا، الامر الذي لا يطالبنا به أحد كي نرتب لهم مكانا مريحا لثمار ذاك النشاط.
هنا المكان للاشارة الى أن عدد سكان سنغافورة التي لا تزيد مساحة اراضيها إلا بقليل عن مساحة قطاع غزة، أكبر بثلاثة أضعاف تقريبا من عدد سكان القطاع؛ عدد سكان هونغ كونغ التي تبلغ مساحتها تقريبا ضعف مساحة القطاع، أكبر بخمسة أضعاف تقريبا من عدد سكان القطاع. بمعنى، هذه ليست مشكلة حجم، بل مشكلة مضمون.
لسكان القطاع، وللفلسطينيين بشكل عام كانت كل الامكانيات لتحويل مناطقهم الى اماكن حسن العيش فيها. وضعت تحت تصرفهم مساعدات دولية واسعة، معونة ودعم، اراضي القطاع برمتها انتقلت الى تصرفهم. فمن منعهم من أن ينتجوا، يتطوروا ويزدهروا؟ وبدلا من ذلك فضلوا، كالمعتاد، العيش حياة المعاناة، ضائقة وعوز على أن يتمكنوا ربما من الحاق قدر ما من المعاناة بنا.
هذا مجتمع يقدس الموت، وليس الحياة. وغير مرة تظهر في التلفزيون امرأة فلسطينية قُتل ابنها في اثناء تنفيذ عملية انتحارية، وهي فرحة وتتمنى لباقي أبنائها السير في طريقه. برامج الاطفال في التلفزيون الفلسطيني تشجع الفتيات على تنفيذ العمليات الانتحارية. هذا هو النموذج للاقتداء، هذه هي الثقافة.
هناك من يقول إننا نحن وهم في واقع الامر ذات الشيء، كلنا متشابهون – هراء، نحن نقدس الحياة، وهذا متجذر عميقا في ثقافتنا. مجتمعنا يتطلع الى الازدهار والحياة الطيبة. أما الفلسطينيون بشكل عام، والغزيون بشكل خاص، فمستعدون للمعاناة بل ويعانون، المهم أن تلقى كراهيتهم الشديدة نحونا تعبيرا في شكل عمليات ارهابية.
حتى لو تحقق ذات مرة اتفاق سلام، فالمبدأ الذي ينبغي السير فيه هو: عدم تسليم اراضي مفتوحة. اذا كانوا يريدون اعطاء ارض بدل اراضي المستوطنات في يهودا والسامرة، فيجب عمل ذلك في تفكير بعيد المدى، للأجيال، هذا يعني حسب التقسيم القومي. ينبغي لهذه أن تكون الارض المحاذية لاراضي السلطة والمأهولة بالفلسطينيين الاسرائيليين كما يُعرفون هم انفسهم.
لا معنى للرأفة في هذا الامر. وحسب جون لينن، فانه لو كان حيا فان القومية لم تنته من العالم. أنظروا الى اسكتلندا بعد مئات السنوات من الوحدة مع الانجليز، أنظروا الى الباسك في اسبانيا، الكورسكيين وغيرهم. عندنا بالتأكيد لم تنقض القومية، وهي لا تبدي مؤشرات الاختفاء.
من يريد هدوءا على مدى الزمن عليه أن يؤيد ذلك. صحيح أن هذا لن يحل كل مشاكلنا، ولكنه سيحل الكثير. من يبدي الاستعداد لقبول نزع حق المواطنة من عرب شرقي القدس في اطار الاتفاق، مثلما يقترح مبادرو اتفاق جنيف أو حاييم رامون، لا يمكنه أن يعارض تبادل الاراضي على أساس قومي لاعتبارات اخلاقية، قانونية أو اعتبارات العدل، إذ لا يوجد فارق بين مقيم في شرقي القدس يفقد حقه في المواطنة الاسرائيلية ومقيم في كفر قاسم، الطيبة أو أم الفحم الذي يفقده. الفصل القومي يمنع سفك الدماء ويحقق الهدوء، وقد ثبت ذلك مرات عديدة في ارجاء العالم وينبغي التطلع اليه حيثما كان ممكنا.
الاراضي المأهولة بمن يُعرفون انفسهم بالفلسطينيين الاسرائيليين ضاعوا على أي حال بشكل ما، من ناحية قومية، ولهذا فان التنازل عنهم أكثر سهولة. وبالمقابل، فان اراضي الدولة المفتوحة، الاحتياطي الصغير من الاراضي في دولتنا الصغيرة، من الواجب الحفاظ عليه من كل ضر، فالارض لا يُنتج أي مزيد منها.