قبل أيام تلقت كل الجهات المعنية في الغرب وفي بعض العواصم العربية، رسالة واضحة من الحكومة الإسرائيلية، تفيد بأن قواتها العسكرية وأجهزتها المعنية بالحرب باتت جاهزة للقيام بأي عمل عسكري جدي، سواء ضد الفلسطينيين وسوريا ولبنان وحتى مواكبة أي حرب على إيران. ومع أن الصحافة العالمية والتقارير الدبلوماسية الواردة من العاصمة الأمريكية لم تشر إلى تفاصيل اجتماعات وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك ولا إلى جدول أعماله، إلا أن المعطيات القائمة على الارض وفي بعض الخطب والمواقف تنذر بأن إسرائيل تستعد لعمل عدائي كبير قد يدفع المنطقة إلى مواجهة كبيرة وواسعة ربما تكون الأكبر منذ قيام إسرائيل.
وفي عودة إلى سياق الأحداث والخطوات التي أعقبت فشل العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز 2006، يظهر واضحاً أن في إسرائيل من يتعامل مع ملف الحرب بصورة لا تشبه البتة سلوك قيادة العدو السياسية والعسكرية خلال التحضير لحرب لبنان الثانية ولا خلال الحرب نفسها، برغم أن النقاش ظل محصوراً طوال الفترة اللاحقة بما سُمي عناصر الإخفاق، ولم يتطرق إلى ما يمكن وصفه بعناصر النجاح لدى المقاومة في لبنان. لكن الاكيد أن عملية استخلاص العبر من جانب العدو لهذه الحرب، تجاوزت النقاش النقدي والخلافي ولعبة الاستثمار السياسي الداخلية، ولامست حدود التصرف بمسؤولية ازاء المرحلة المقبلة. وأولى الخلاصات الحاسمة في هذا المجال هي أنه يجب القيام بالأمر بسرعة، لأن كل يوم يمر هو في مصلحة الخصم، وهو الكلام الذي ترافق مع ضغوط غير عادية من جانب الدول الغربية وبعض الدول العربية، علماً بأن القصد هو أن المقاومة في لبنان تعمل على تعزيز قدراتها العسكرية.
إلا أن الأهم من ذلك ما هو متعلق بالاستعدادات الإسرائيلية المباشرة للحرب. ومن المفيد هنا إجراء مراجعة من النوع الذي يسلط الاضواء على بعض ما يدور:
أولاً: منذ توقف الحرب على لبنان في آب من العام الماضي، والحديث الإسرائيلي يركز على التفاعل السوري مع انتصار المقاومة في لبنان، وجرى العمل سريعاً وبصورة مكثفة على رفع منسوب الكلام عن استعداد سوري للمشاركة في الحرب نفسها وعن استعداد سوري للقيام بعمل عسكري ضد إسرائيل سواء من خلال هجوم مباشر أو من خلال عمليات منظمة في الجولان المحتل. وجرى في هذه الفترة التي امتدّت حتى بدايات السنة الحالية إيراد مجموعة كبيرة من التقارير عن التسلح سوريا وتلقيها أسلحة روسية متطورة وعن تولي إيران عملية تمويل أكبر عملية تحديث وتجهيز للجيش السوري، وعن تغييرات في السلوك الامني والعسكري للجيش السوري وأن أنفاقاً تحفر في مناطق التماس في الجولان وأن فرقاً من الجيش السوري يعاد تأهيلها بطريقة تحاكي عمل المقاومة.
ثانياً: ترافق التصعيد السياسي ورفع مستوى المخاوف من قيام سوريا بعمل عسكري ضد إسرائيل، مع انطلاق أولى مراحل الاستنفار والاستعداد في مناطق الجولان والشمال. وحتى منتصف السنة الماضية، كان الجيش الإسرائيلي يعمل على تعبئة وتدريب فريق عدة، وسبق للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أن تحدث عن حشد ما بين ثلاث إلى أربع فرق، أي ما يوازي نحو خمسين ألف جندي من قوات النخبة والفرق المتخصصة بأعمال عسكرية وأمنية واستطلاعية إضافة إلى سلاح الجو، وأجريت سلسلة من المناورات المعلنة وغير المعلنة، التي بررت بأنها من باب التدرب على الدروس الجديدة التي أخذت من حرب لبنان، ومن جانب آخر، بقصد ردع سوريا ومنعها من القيام بعمل عسكري ضد إسرائيل بحسب ما روّج له قادة العدو.
ثالثاً: الانتقال إلى المستوى الآخر من التضليل، وهو الذي تمثل في كلام إسرائيلي سياسي عن الرغبة في منع المواجهة مع سوريا، وصولاً إلى إعلان نقل المناورات العسكرية من الجولان إلى النقب بحجة تخفيف التوتر مع سوريا. ولكن الإجراءات التي حصلت في الجولان ظلت على حالها ولم تُنقل سوى كتائب عدة من الجيش إلى خارج الجولان، حتى تحول الامر إلى عملية تخدير توّجت بالغارة التي استهدفت موقعاً في دير الزور تولت الصحافة الأمريكية الحديث عنه، قبل أن تكشف هذه الصحافة أن قيادة العدو كانت ترغب في تنفيذ هذه الغارة في ذكرى حرب تموز، حتى يتبيّن لاحقاً أن الاستنفار الإسرائيلي في الجولان وفي الشمال هدفه مواجهة احتمال قيام سرويا برد أو لمنع سوريا من القيام بالرد.
رابعاً: بعد مرور أسابيع على الغارة، انتقلت إسرائيل إلى المناورة الثانية، وهي المستمرة الآن، سواء من خلال أوسع عملية تعبئة للجبهة الداخلية والقيام بمناورات داخل العمق الإسرائيلي لمواجهة حرب واحتمال سقوط صواريخ على العمق، وقرار إيهود باراك إعادة توزيع الاقنعة الواقية من الاسلحة الكيميائية على السكان خلافاً لرأي لجنة متخصصة في الكنسيت كانت قد دعت إلى جمع الاقنعة في مستودعات، وبرّر باراك قراره بأن حالة الطوارئ قد تبرز في وقت يصعب فيه ضمان توزيع كامل وآمن لهذه الاجهزة على السكان. ثم طلب إلى مطار بن غوريون القيام بمناورة إنقاذية على احتمال تعرضه لقصف صاروخي، في خطوة هي الأولى من نوعها في هذا المرفق، وصولاً إلى الإعلان أمس عن نقل المناورات من الجولان إلى مناطق أخرى في الجليل.
وبناءً على ذلك، فإن ما يجري الآن في إسرائيل يتجاوز الإشارات الإعلامية إلى مستوى الوقائع التي تنذر بأخطار كبيرة. وفي سوريا تحسّب جدي لحرب قادمة، أما في لبنان فثمة حديث أخر، أوله اللعبة الجديدة من المفاجآت التي تستعد لها المقاومة ليل نهار.
الكيان الصهيوني يحشد 50 ألف جندي على الحدود الشمالية
21 يوليو/تموز 2011 الساعة . 09:44 ص بتوقيت القدس