مشروع دستور للكيان الصهيوني..من هو اليهودي؟

21 يوليو/تموز 2011 الساعة . 09:44 ص   بتوقيت القدس

السؤال الذي يثير جدالا في دولة الاحتلال، بين الفترة والأخرى، لن يكون ضمن مشروع الدستور الذي تعده لجنة الدستور في الكنيست الان، تمهيدا لعرضه على المشرعين الصهاينة، ليكون هناك، أخيرا، دستورا للدولة العربية، التي تفتقد له منذ نحو 60 عاما. وقالت مصادر في لجنة الدستور البرلمانية، ان عدم التطرق لتعريف من هو اليهودي، هو لتجنب الجدال حول هذه القضية، حيث يقدم البعض تعريفا بيولوجيا لليهودي، وحصره في من ولد لام يهودية، وهو الرأي الذي تدافع عنه باستماتة المؤسسة الدينية، بينما تدعو أوساط أخرى، لتبني مفهوما اكثر ليبرالية بهذا الشان، ليشمل معتنقي الديانة اليهودية، بغض النظر عن أصولهم العرقية.

ووفقا لقانون العودة الصهيوني المعمول به الان، فانه يحق لكل يهودي في العالم القدوم إلى دولة الاحتلال والحصول على جنسيتها والتمتع بالمزايا الممنوحة للمهاجرين الجدد. وأشارت مصادر لجنة الدستور البرلمانية بأنه عوضا عن الدخول في جدال حول السؤال الحاسم من هو اليهودي، سيتضمن مشروع الدستور عبارة عامة تشير بأنه "لكل يهودي الحق في الهجرة إلى دولة الاحتلال". وستقدم اللجنة، نسخة منقحة من قانون العودة إلى الكنيست جنبا إلى جنب مع مشروع الدستور المقترح.

ويتضمن التنقيح المقترح على قانون العودة، استبدال ما يعرف في هذا القانون "شرط الحفيد"، الذي يعط الحق لأحفاد اليهود في الخارج الهجرة إلى دولة الاحتلال، أي "اليهود البيولوجيين"، بالسماح لكل شخص ينتمي للطائفة اليهودية في بلده، الهجرة إلى دولة الاحتلال، وهو ما اعتبر بمثابة "تحايل" يوسع من مفهوم من هو اليهودي المعمول به حاليا، وفي نفس الوقت، لا يذهب إلى نهاية الشوط، في محاولة لتجنب النقاش حول السؤال المؤرق للمجتمع الصهيوني.

وهناك بعض القضايا التي ستكون مثار نقاش في مشروع الدستور، مثل تعريف طبيعة الدولة، فمعظم أعضاء لجنة الدستور يريدون تعريف دولة الاحتلال بأنها "دولة يهودية" بينما الأصوات اليمينية في اللجنة تريد تعريف دولة الاحتلال بوصفها "دولة الأمة اليهودية"، ويواجه أعضاء اللجنة إشكاليات أخرى، حول ديمقراطية الدولة، والتناقض بين الديمقراطية وتعريف دولة الاحتلال كدولة يهودية، وسيتم للخروج من هذه الإشكالية، بالإشارة إلى يهودية الدولة في إحدى المواد، والحديث عن أن دولة الاحتلال دولة ديمقراطية في مادة أخرى من مشروع الدستور المقترح.

ومن المتوقع أن يشكل الحديث عن مشروع الدستور الصهيوني، مناسبة لقطاعات في الرأي العام، لطرح موضوع "من هو اليهودي؟"، وحسب الإحصاءات فان نحو 300 ألف شخص يقيمون في دولة الاحتلال، ينتظرون "التهويد" أي الاعتراف من قبل المؤسسة الدينية باعتناقهم للديانة اليهودية، وهو ما يعني على المستوى الشخصي لكل منهم، حل كثيرا من الإشكاليات المتعقلة بزواجهم وهوية أبنائهم الدينية، بينما يعني تهويدهم بالنسبة للمؤسسة الدينية سيل جارف من "الدماء غير النقية" ستختلط بالدماء اليهودية.

ولكن ما يطلق عليه الرعب من الاغيار، من قبل المؤسسة الدينية اليهودية، يحول دون اتخاذها خطوات راديكالية بهذا الشان. وفي إجراء اعتبر نادرا، أقرت المحكمة العليا الصهيونية ففي 31 آذار (مارس) الماضي، بيهودية 15 من الرجال والنساء، وانتظر هؤلاء بقلق في قاعة لمحكمة لسماع القرار الحاسم في مسالة تكون عادة في الدول الأخرى، شخصية، وفي الدول الإسلامية، مثلا، يكفي الواحد لحلها أن يتلفظ بجملتي الشهادة، أما في دولة الاحتلال فالقضية اعقد من ذلك بكثير.

وعندما وقف هؤلاء أمام قضاة المحكمة الثلاثة، وسمعوا قرارهم، لم يصدقوا أنفسهم، لقد أصبحوا يهودا بقرار من هيئة المحكمة، بعد أن رفضت المؤسسة الدينية تهويدهم. وكسرت المحكمة العليا بقرارها، الذي وصف بالتاريخي، خطا احمر في دولة الاحتلال حول تعريف من هو اليهودي، ودخلت ارفع مؤسسة قضائية في النقاش بقوة حول هذا السؤال الذي لا توجد له إجابة محددة في دولة الاحتلال.

وتقدم هؤلاء الأشخاص إلى محكمة العدل العليا وجميعهم من أصول أجنبية أغلبيتهم ارتبطوا بيهود ويهوديات، للاعتراف بأنهم أصبحوا يهودا أو يهوديات. وكان هؤلاء اجتازوا دورات في معاهد دينية في الخارج درسوا فيها أصول الديانة اليهودية والتلمود، وحين أصبحوا مهيئين لدينهم الجديد لم تعترف بهم المؤسسات الدينية اليهودية الأرثوذكسية التي تركز على العرق في تحديد من هو اليهودي، فلجأوا، إلى محكمة العدل العليا الصهيونية، وأصبح هؤلاء يهودا ويهوديات بقرار قضائي، وربما أن القضية بالنسبة لهم انتهت عند هذا الحد، أما في دولة الاحتلال فما زال هذا القرار يفجر نقاشا وخلافا مستمرا.

ويطلق على هذا النوع من التهويد الذي تم بعيدا عن المؤسسة الدينية الرسمية: "التهويد الإصلاحي" أو "تهويد القفزات"، إشارة إلى "قفز" الذين لا تقبل بهم المؤسسة الدينية الأرثوذكسية ذات النفوذ في دولة الاحتلال، يهودا، إلى الخارج ويحصلون من أي حاخام لأي طائفة يهودية من أي دولة في العالم، على وثائق تثبت تهودهم، ويعودون ليصارعون في دولة الاحتلال من اجل الاعتراف بيهوديتهم ليتمكنوا من الحصول على الجنسية الصهيونية، وبعد قرار المحكمة تبادل العلمانيون والمتدينون الاتهامات، وصدرت بيانات واستنكارات لقرار المحكمة، وتباينت الآراء، فصحيفة هارتس المستقلة مثلا خصصت إحدى افتتاحياتها لهذا الموضوع، وتخضع كتابة الافتتاحية في هذه الصحيفة المرموقة لتقاليد مهنية متوارثة، حيث تتميز بالإحكام والكلام المحسوب.

وتحت عنوان (الاعتراف بـتهويدات القفز) كتبت أسرة تحرير هارتس بان "قرار محكمة العدل العليا والقاضي بأن "تهويدات القفز" للمتهودين ممن تعلموا في إسرائيل وتهودوا في الخارج سيعترف بها لغرض قانون العودة، هو قرار شجاع، يرى على نحو سليم وضع المجتمع الصهيوني والشعب اليهودي"، وانتقدت هارتس موقف رجال الدين اليهود من قرار المحكمة مشيرة إلى أن "الشبهات التي يطرحها الحاخامون تجاه من يسعى إلى ربط حياته بالذات بمصير هذه البلاد غير السهل، والفحص المتصلب في بواطنهم والحواجز غير الإنسانية التي تعرقل تهويدهم - مصابة بالازدواجية الأخلاقية وبنزعة القوة، بل وربما بالعنصرية".

وارتفعت أصوات طالبت الدولة بالإشراف على هذا النوع من "تهويد القفزات" مثل الصحافي بامبي شيلغ الذي كتب في صحيفة معاريف بان إشراف الدولة على هذا النوع من التهويد، كي لا يستغل استغلالا سيئا، حسب رأيه، لمن يريد أن يحصل على المواطنة الصهيونية ويعود وفقا لقانون العودة الذي يتيح المجال لكل يهودي في العالم الهجرة إلى دولة الاحتلال، ويحظى بتسهيلات واستيعاب، حيث توجد وزارة خاصة بذلك.

ورفضت الأوساط اليمينية المتطرفة الاعتراف بـ "يهود القفزات"، وكتب آريه الداد العضو اليميني في الكنيست في صحيفة يديعوت احرنوت معتبرا أن قرار محكمة العدل العليا يقسم "الشعب اليهودي إلى قبيلتين". وقال الداد بان المحكمة العليا فضلت حقوق الأفراد على الدين، مشيرا إلى ان اليهودية هي دين وقومية لا يمكن الفصل بينهما.

ورأى الحاخام يسرائيل روزين، انه إذا تم الاعتراف بيهود القفزات، فسيحدث ذلك شرخا في ما يسميه "النقاء اليهودي" وان أي تسهيلات في جدار تعريف من هو اليهودي، سيفتح المجال أمام "أغيار العالم" إذا أرادوا أن يتهودوا، وليس أمام أي من هؤلاء "الاغيار" سوى القيام "بقفزة إلى لتفيا (أو لأي واحدة من مئات طوائف صهيونية المتناثرة في الخارج)، والحصول ختم "حاخامي الطائفة" على نموذج الانضمام (وربما أيضا دفعة مالية رمزية) وإذا بالجواز السفر الصهيوني في الجيب، ومعه سلة الاستيعاب وقرض الإسكان وحق التصويت في الكنيست".

ولتجنب كل هذا النوع من النقاش، الذي تحول في أحيان كثيرة إلى شتائم وتبادل الاتهامات بالكفر والإلحاد، فان مشروع الدستور للدولة العبرية، خلا من أي تعريف لليهودي، وهو ما يرضي على الأقل المؤسسة الدينية الأرثوذكسية التي تريد الحفاظ على "شعب الله المختار" نقيا من دماء "الاغيار".