مفاعل ديمونة.. الموت اليومي للفلسطينيين بالمجان

21 يوليو/تموز 2011 الساعة . 09:44 ص   بتوقيت القدس

مفاعل ديمونة الإسرائيلي يتسبب في إصابة مئات الفلسطينيين بمرض السرطان في الضفة الغربية المحتلة، حيث تزايدت في السنوات الأخيرة بسبب تسريبات إشعاعية من المفاعل والذي أقيم عام 1967، منذ أربعة أشهر، بدأت صحة الطفل لؤي ناجح الهوارين (10 سنوات) من بلدة الظاهرية جنوب الخليل بالتدهور، فهو يعاني من أوجاع عامة وعدم قدرة على التحرك الاعتيادي، وبعد الفحص الأولي تبين مباشرة إصابته "بسرطان الدم" وهي الحالة الأولى التي تسجل في عائلته، يقول والد الطفل لؤي إن حالة ابنه ظلت في طور الاستقرار حتى بدأ قبل أربعين يوم تقريباً بفقدان الرؤية بشكل طبيعي، ومن ثم وصل إلى درجة فقدان البصر بنسبة 90% تقريبا.
ويضيف الوالد، وهو أب لـ14 ابنا والذي لا يملك عمل يساعده على دفع تكاليف علاج لؤي التي تصل أسبوعيا إلى 500 دينار أردني، أنه حاول طرق كافة الأبواب الممكنة من أجل مساعدته لعلاج طفله، وتم تحويله فعلا للعلاج في الأردن، لكن المستشفى الأردني لم يضف له سوى كلمتين "لا أمل"ولم يعد في وسعه سوى الذهاب أسبوعيا إلى مستشفى بيت جالا الذي يبعد نحو ساعتين عن الظاهرية، لإعطائه حقنة في الوريد في محاولة لمنع تفشي المرض بشكل أكبر، دون الحصول على علاج لفقدان البصر الذي يعانيه، وفي السنوات الأخيرة شكلت المئات من الحالات المشابه لإصابة الطفل الهوارين في منطقة جنوب الخليل ظاهرة مقلقة، وبدأت في الظهور والازدياد بعد حدوث تسريبات اشعاعية من مفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي والذي أقيم عام 1963، على بعد 25 كيلو متر جنوب مدينة الظاهرية.
* الإصابة بالسرطان
الدكتور محمود سعادة ممثل اللجنة الدولية لمناهضة الحرب النووية فرع فلسطين عن منطقة جنوب الخليل يقول:" لم نكن نشهد حتى الماضي القريب الحالات المتكررة من تساقط الشعر ومرار الفم وجفافه وكثرة حالات عدم الإنجاب (العقم) والتخلف العقلي والإعاقات الجسدية وعدم النمو الطبيعي إلى جانب آلام المعدة والصداع المستمر، وظاهرة الإرهاق والشعور بالتعب المزمن".
وفي الفترة ما بعد عام 1986 ظهرت حالات الإجهاض المتكررة وأنواع متعدد من السرطانات (الدم وهو أكثرها انتشارا، العظام، الدماغ، الكبد، البنكرياس، الثدي، الرحم، العيون)، كما برز شلل الأعصاب والعضلات ونقص الحديد في الهيموجلوبين في الدم، عدا عن أمراض القلب والسكري التي ازدادت بشكل ملحوظ نتيجة الضغط النفسي، وقد ظهر من بين 1069 فحص مخبري لجرثومة "الهيليكوباكتر" التي تصيب المعدة، أن 929 شخصا في المنطقة يعانون من آلامها مقابل 140 منهم لم يصابوا بها.
وبحسب تقرير أعده سعادة فإن لجنة طبية تم تشكيلها في أوساط الثمانينات، كشفت عن ازدياد حالات الإصابة بالسرطان في جنوب الخليل، حيث سجلت 18 حالة وفاة بالسرطان في مدينة يطا خلال شهر واحد عام 2005، في حين سجل 12 حالة إصابة بسرطان الدم وحده في مدينة الظاهرية في الفترة الواقعة بين الظاهرية(14-12-2004 إلى 1-6-2005)، وحسب التقرير ففي تاريخ 26-4-2005 أكد الطبيب الإسرائيلي "ميخائيل شابيرا" الذي يعالج عدد من حالات الإصابة بالسرطان لمواطنين من جنوب الخليل بأنه لا يستبعد أن يكون لانتشار حالات سرطان الدم على نحو غير طبيعي في منطقة جنوب الخليل علاقة بمخلفات نووية وكيماوية خطيرة يتم دفنها في تلك المناطق دون رقابة.
* بداية الظاهرة
يشير سعادة إلى أن هذه الظاهرة بدأت بالظهور بعد عام 1986، ولم يكن انتشار الأمراض السرطانية موجودا عقب احتلال عام 1967 وحتى ذلك العام، حيث أن مواطن واحد فقط توفي بسبب سرطان الشفة في أعوام الستينيات، بينما توفي موطن آخر في أواخر السبعينات بسرطان الخصية في بلدة الظاهرية وحدهاوبعد عام 1986 بدأ السكان يلاحظون انتشار أمراض غريبة عن المنطقة دون معرفة سببها، وعندما كشف الإسرائيلي "مردخاي فعنونو" الخبير النووي عام 1989 عن إشعاعات تتسرب من مفاعل ديمونا جنوب فلسطين المحتلة.
ويقول د. سعادة:" بدأنا بالربط بين هذه الإشعاعات وبين ارتفاع حالات الإصابة بالسرطان والأمراض الأخرى في منطقة جنوب الخليل، لأن الظاهرية تبعد عن مدينة ديمونا 25 كيلو متر، وظهر عندنا بشكل كبير أورام الدماغ والرحم والمبايض والكلي والكبد والمخيخ ولكن سجلت حالات سرطان الدم " اللوكيميا" أعداد أكبر"، وقال أنه قام بأخذ عينة من منطقة جنوب الظاهرية بطول 15 كم وعرض 10 كم، على عينة بلغ مقدارها 35 ألف نسمة، وعند دراستها ظهر أكثر 200 حالة إصابة بالسرطان المتنوعة، عدا عن الأمراض الأخرى.
إلى جانب عدد كبير من الحالات التي أصيبت بالعقم التام، حيث رصدت الدراسة في عائلة واحدة إصابة أربعة ذكور بالعقم التام حيث بلغ عدد الحيوانات المنوية عندهم صفر. وكذلك ظهرت مشكلة انتشار الإجهاض المتكرر، وكان أبرزها حالة إجهاض 8 نساء في حي واحد في يوم واحد. إلى جانب إجهاض امرأة واحدة تكرر ثماني مرات وأخرى خمس مرات. وذلك حسب تقرير صادر عن مستشفى سوروكا في بئر السبع وبرزت أيضا مئات الحالات التي عانت من التشوهات الخلقية منذ الولادة، وخاصة في تركيب الجسم والوجه والأطراف. وقد واجه الباحثون في هذه الظاهرة مشكلة عدم تجرؤ العائلات على الكشف عن حالات التشوه لأسباب العادات والتقاليد والخوف من نظرة المجتمع، وسجل البحث حالة لإحدى العائلات في قرية غرب الظاهرية رصت فيها ستة حالات تشوه بين أبنائها فوق الخمسة عشر عاما.
واشتكى ممثل اللجنة الدولية لمناهضة الحرب النووية من قلة متابعة وزارة الصحة والجهات المختصة لهذه الظاهرة المقلقة، مؤكدا أنه قام شخصيا بمراسلة الوزارة للحصول على إحصائيات علمية عن عدد الحالات المصابة بالسرطان في منطقة الخليل أو في فلسطين إلا أنه لم يتلق أي نوع من الردود، كما أن مستشفى بيت جالا الذي يستقبل معظم حالات السرطان يعاني من نقص 18 نوع علاج كيماوي وعدة أجهزة خاصة بمعالجة أمراض السرطان غير موجودة.
* هزات أرضية
وأضاف أن اشعاعات ديمونا قد تكون هي المسبب لهذه الحالات لأن الهزات الأرضية التي تشهدها منطقة صحراء جنوب فلسطين أدت إلى إحداث تشققات في خزانات مفاعل ديمونا وهو الأمر الذي أحدث تسرب في الإشعاعات النووية، إضافة إلى إنتاج 4 مليون طن من النفايات النووية سنويا، يتم دفنها في الأراضي الفلسطينية نظرا لقلة التكلفة التي تقتصر على نقلها فقط، وأشار سعادة إلى أنه تم الكشف مؤخرا عن أن أجهزة قياس التسرب في مفاعل ديمونا معطلة منذ 30 عاما، وعندما سارعت سلطات الاحتلال الإسرائيلية في تركيب أجهزة جديدة اكتشفت أن نسبة التسرب عالية جدا، حيث تشكل نسبة اليهود في منطقة جنوب فلسطين 70% من السكان، وأكد أن المتضررين في هذه المنطقة ليسوا فقط من المواطنين العرب الفلسطينيين ولكن من اليهود أيضا حيث كشف مؤخرا عن إصابة 75 حالة من اليهود بالسرطان خلال عام واحد.
* مدافن المخلفات النووية
بجانب الإشعاعات النووية من مفاعل ديمونا، أكد سعادة إن ارتفاع حالات الإصابة بالسرطان في منطقة غرب الظاهرية تحديدا، حدا بلجنة طبية في المنطقة بمحاولة لدراسة المنطقة بعد شكوك كبيرة بوجود مسبب قريب لارتفاع حالات المرض، وبالفعل بعد البحث تم الكشف عن وجود مدفن للنفايات النووية السامة في منطقة تسمى " اللويبدة"، وأكد السكان وجود نشاطات لسلطات الاحتلال حيث شكلت المنطقة لفترة معينة هبوط يومي لطائرات إسرائيلية ووصول شاحنات عسكرية، دون السماح لأي من السكان بالاقتراب من المنطقة. وتم رصد مدفن للمخلفات السامة أيضا قرب السموع وآخر في وادي الصرار ببلدة بني نعيم، وكل ذلك في جنوب الخليل.
ولفت سعادة إلى أن هذه المدافن موجودة أيضا في مناطق متفرقة بالضفة الغربية، ومنها منطقة واد دان غربي حوارة ( جنوب نابلس) وتعد هذه المخلفات ذات تأثيرات خطيرة حيث أنها وضعت في حوض مائي يحوي مياه جوفية، الأمر الذي يزيد من نسبة الأضرار حيث تنتشر المواد السامة في المياه المخصصة للشرب، إلى جانب الكشف عن مدافن في منطقة الحمرا بالأغوار ومناطق غرب مدينة نابلس في قرة دير شرف وقوصين، وفي شرق قلقيلية خاصة في بلدة عزون.
* نشاطات نووية مستمرة
أشار د. سعادة إلى أن النشاطات النووية في منطقة جنوب فلسطين مستمرة، وكان آخرها في 14 آب الجاري حيث حصل انفجار في مستعمرة " كوحاف حورات" نتيجة مزج مواد غير قابلة للخلط، وتسببت في انتشار غيمة من الدخان على مساحة أكثر من كيلو متر بالقرب من قرية بدوية، وقامت السلطات الإسرائيلية بترحيل المستوطنين اليهود نتيجة تسرب إشعاعات خطيرة على الحياة. وهو ليس الانفجار الأول من نوعه، وناشد الجهات الفلسطينية والعربية والدولية المختصة للإسراع في إجراء الدراسات والفحوصات اللازمة على السكان رغم معارضة سلطات الاحتلال لذلك، من أجل إثبات العلاقة بين التسرب النووي الذي يحدثه مفاعل ديمونا وعمليات دفن النفايات النووية في المناطق الفلسطينية خاصة في جنوب الخليل، وبين ارتفاع أعداد المواطنين المصابين بالتشوهات الخلقية وأمراض الأورام السرطانية يوميا.