الأشقر: على الجمعيات الالتزام بالتدقيق وألا تعمل بدون تنسيق
حمد: لسنا معنيون بأي أزمة مع هذه المؤسسات
البيك: هدف الداخلية من التدقيق دعم الشفافية والنزاهة
تحقيق / رائد أبو جراد
قبل خمسة عشر عاماً بدأت وكالة التنمية الأمريكية "USAID" إحدى الجمعيات الأجنبية العاملة في قطاع غزة باكورة مشاريعها في الأراضي الفلسطينية المحتلة وذلك بعد توقيع اتفاقية أسلو بين السلطة والكيان الصهيوني عام 1993.
وواصلت الوكالة عملها ومشاريعها وبرامجها الاقتصادية والداعمة للصحة والتعليم حتى صيف عام 2007 للتوقف عن العمل في قطاع غزة في حينها بدعوى سيطرة حركة حماس على زمام الأمور في القطاع الساحلي بعد عامين ونيف على التوقف عاودت الوكالة الأمريكية عملها.
وفي الأسبوع الماضي تعالت صيحات "USAID" لما وصفه مسئولون فيها عن مضايقة الحكومة الفلسطينية لأعمالها ومشاريعها التي تنفذها على ساحة القطاع رغم محدودية مساعداتها "التنموية"، وصرف معظمها إدارياً لبعض الجمعيات والمؤسسات، وعدم وصول أي شئ من تلك المساعدات للمواطن الفلسطيني.ولا تعد عملية الرقابة والتدقيق التي تجريها وزارة الداخلية على المؤسسات الأجنبية العاملة في غزة مخالفة للقانون الفلسطيني خاصة قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية، الذي ينظم عمل تلك الجمعيات في القطاع.
دون تنسيق
وتسعى الوكالة الأمريكية للتنمية للعمل في قطاع غزة دون تنسيق مسبق مع الحكومة الفلسطينية التي تدير شئون القطاع منذ تشكيل الحكومة العاشرة ومواصلة الحكومة الحالية برئاسة الأستاذ إسماعيل هنية إدارتها زمام الأمور في القطاع.
وادعت الوكالة فرض الحكومة سلسلة إجراءات خلال الأشهر القليلة الماضية، خلقت بيئة تعيق قدرة المنظمات على تقديم المساعدات إلى الفئات الأكثر ضعفًا من سكان غزة.
وبحسب تقارير وإحصائيات وأرقام نشرت على الموقع الالكتروني للوكالة الأمريكية للتنمية حول ماهية مشاريعها المقدمة للفلسطينيين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، أظهرت تلك التقارير تركيز عمل "USAID" في الأراضي الفلسطينية بعد مجىء السلطة وما قبل فرض الاحتلال حصاراً مشدداً على قطاع غزة قبل خمس سنوات.
وتظهر تلك التقارير التي نشرتها "USAIDقيمة المبالغ المالية الطائلة التي أنفقت على قطاعات وبرامج مختلفة في الأراضي الفلسطينية تشتمل على الصحة والتعليم والشباب والتنمية الاقتصادية والتحويل النقدي للسلطة ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين والمياه والصرف الصحي فقد بلغت قيمة تلك المشاريع أكثر من مليار وسبعمائة ألف دولار أمريكي على مدار 15 عاماً من خدمات الوكالة الأمريكية.
وفي حال قورن حجم المشاريع والخدمات والمبالغ المالية الطائلة التي صرفتها "USAID" بمسألة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الأراضي الفلسطينية عامة هذه الأيام والأزمة الاقتصادية المالية التي عصفت بالسلطة في رام الله.
وإذا كانت الوكالة الأمريكية تتحدث عن صرفها ملايين الدولارات ودعمها مشاريع للأونروا في غزة فإن الأخيرة تعاني من أزمة وقف مشاريعها وحذرت مؤخراً من وقف دعمها المقدم لأكثر من 120 ألف لاجئ فلسطيني مع وقف الإمدادات الإغاثية لمئات آلاف اللاجئين.
وتؤكد المعلومات والأرقام السابقة بما لا يدع مجالاً للشك غض تلك المؤسسات النظر عن دعم قطاع غزة رغم الحصار الصهيوني المضروب عليه منذ صيف عام 2007 وما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية الصعبة من ارتفاع كبير في معدلات الفقر والبطالة بين أوساط الغزيين.
وفي حال قورنت مشاريع الوكالة الأمريكية بحجم الموازنة التي صرفت لها طيلة الفترة السابقة مما يضع علامات استفهام كثيرة عن الدور التنموي الذي تسعى USAIDلتطبيقه وتنفيذ مشاريع تدعم الاقتصاد الفلسطيني المتدهور بفعل الحصار والعدوان الصهيوني المتواصل .
برنامجها محدود
ويعد برنامج عمل المؤسسات الأجنبية في غزة محدود بالنسبة لتقديم خدمات للمواطنين دون اعتماد القطاع عليها فقط، وتَعتبِر الولايات المتحدة الأمريكية نفسها المانح الأكبر للمساعدات الاقتصادية والتنموية الثنائية للفلسطينيين.
وذكرت تقارير مختلفة للوكالة الأمريكية للتنمية أنها قدمت للفلسطينيين منذ عام 1994 عبر برامجها المختلفة حوالي 3 مليار دولار أمريكي، رغم ذلك فإن الولايات المتحدة شجعت وما زالت تصر على حصار وتجويع الفلسطينيين في قطاع غزة وإغلاق كافة المنافذ التجارية في وجه الحالة الاقتصادية الفلسطينية.
ومنذ فوز حركة حماس بمعظم مقاعد البرلمان الفلسطيني قبل خمس سنوات قاطعت عدة دول غربية على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية الحكومة العاشرة التي شكلتها الحركة منفردة وشنت حرباً إعلاميةً وفرضت حصاراً مطبقاً على القطاع للضغط على الحكومة ودفعها للتنازل ولموافقة على شروط الرباعية الدولية آنذاك.
وأنفق جل الأموال المعتمدة من "USAID" على برامج في قطاعات المياه والصرف الصحي والبنية التحتية والتعليم والصحة والتنمية الاقتصادية والديمقراطية.
وترجع أسباب إعلان الوكالة الأمريكية للتنمية عن توقف مشاريعها في قطاع غزة المحاصر إلى عملية التدقيق على تلك المؤسسات لأنها تريد العمل وفق أهدافها وبعيدًا عن إطار القانون الفلسطيني.
ولابد لمن يعمل في إطار الحكومة الفلسطينية أن يتبع الأهداف الفلسطينية المعلن عنها وألا ينفذ مشاريعه وخططه وفق أهدافه وضرورة عمل الجميع وفق إطار واضح.
ويفرض الاحتلال الصهيوني حصاراً مشدداً على قطاع غزة دخل عامه الخامس على التوالي ضاقت حلقاته على الفلسطينيين مع استمرار إغلاق الكيان للمعابر التجارية المؤدية للقطاع ومنع إعمار غزة بعد العدوان الذي استهدفها شتاء عامي 2008 – 2009.
عمل القانون
واُتفق بحسب مسئولون في الحكومة الفلسطينية مع ""USAIDعلى عقد ورشة عمل يتم خلالها الاتفاق على آليات لتنظيم عمل القانون وآلية التدقيق على تلك المؤسسات والتأكد من هدفها ومن المشاريع التي تنفذها لخدمة المواطنين، بحسب تصريحات لوزير الخارجية الأستاذ الدكتور محمد عوض.
وأوضح عوض أن من ضمن هذه الآليات الاتفاق على مدقق قانوني خارجي للتدقيق على الملفات الإدارية والمالية وعلى المشاريع ومن ثم يُرفع تقريره للحكومة وللمؤسسات، إضافة للتأكيد على ضرورة تطبيق القانون الخاص بعمل الجمعيات.
وكان مسئول أمريكي قال الجمعة إن الوكالة الأمريكية للتنمية "USAID" قررت وقف مساعداتها لقطاع غزة بسبب ما قالت عنه إنه تدخلات من قبل حركة حماس في شؤونها، على حد زعمه.
وفي هذا الصدد، قال المهندس إسماعيل الأشقر مقرر اللجنة القانونية في المجلس التشريعي الفلسطيني, إن المنظمات التي تمولها الوكالة الأميركية للتنمية "USAID" تريد أن تعمل في قطاع غزة دون تنسيق مع الحكومة.
الجهات المختصة
واعتبر الأشقر عمل تلك المؤسسات وفق أهدافها يخالف القانون الفلسطيني الذي ينص على ضرورة أن تتعاون كل المؤسسات التي تريد تقديم مساعداتها للفلسطينيين مع الجهات المختصة في الحكومة.
وأوضح الأشقر أن كل الجمعيات والمؤسسات في القطاع تتبع للتدقيق من قبل وزارة الداخلية والأمن الوطني "لأنه لا يمكن العمل بدون تنسيق وتعاون".
وأضاف النائب في التشريعي : "مساعدات "USAID" محدودة جداً في غزة وتصرف معظمها إدارياً لبعض الجمعيات والمؤسسات، ولم يصل المواطن الفلسطيني أي شيء منها".
أما وزارة الخارجية في الحكومة الفلسطينية فأكدت بدورها إجرائها اتصالات مع وزارة الداخلية عدة مرات لمناقشة موضوع الوكالة الأمريكية بكافة تفاصيله.
وقال وكيل الوزارة الدكتور غازي حمد في حديث لملحق الداخلية :"استمعنا لوجهة نظر وزارة الداخلية خاصة المختصين والمسئولين لملف الجمعيات غير الحكومية".
اتصالات عديدة
وأشار حمد إلى إجرائهم اتصالات مع مسئولين في الأمم المتحدة بغزة، إضافة لتواصل وزير الخارجية الدكتور محمد عوض مع وزير الداخلية والأمن الوطني الأستاذ فتحي حماد لمعالجة هذه الأزمة.
وكشف حمد توصلهم لحل مرضي يقضي بتأجيل إجراء التدقيق لفترة محددة وإعادة فتح المؤسسات التي أغلقت في قطاع غزة على حين البحث في الموضوع، مضيفاً "المشكلة حلت لكنها بحاجة لدراسة أعمق من أكثر من زاوية (..) والنقاش فيها طويل"، حسب تعبيره.
لكن وزارة الداخلية والأمن الوطني أكدت على دور الحكومة المناط بتنفيذ القانون، معتبرة أن متابعة ملف المؤسسات العاملة في قطاع غزة جزء من صلاحيات الحكومة.
وأوضح الأستاذ ثروت البيك مدير عام الإدارة العامة للشئون العامة والمنظمات غير الحكومية – الشق المدني - في وزارة الداخلية أن دورهم يتمثل في التدقيق على عمل الجمعيات والمؤسسات المحلية أو الأجنبية.
وبالعودة لوزارة الخارجية حيث نوه وكيلها إلى أن موضوع تدقيق وزارة الداخلية على المؤسسات التابعة للوكالة الأمريكية للتنمية يحمل تعقيدات وأبعاد سياسية أكثر منها قانونية.
وأردف قائلاً :"الحكومة معنية بعمل المؤسسات الدولية في قطاع غزة وممارسة نشاطاتها بكل حرية ولسنا معنيين بأي أزمة مع هذه المنظمات".
الشفافية والنزاهة
وبين وكيل وزارة الخارجية أن هدف وزارة الداخلية من إجراء التدقيق على تلك المؤسسات دعم الشفافية والنزاهة لكل المؤسسات العاملة في ساحة قطاع غزة.
أما البيك فأوضح أن "المؤسسات التي تتلقى الدعم من الوكالة الأمريكية للتنمية والتي تعمل في غزة رفضت التدقيق وكان موقفها سياسي بحت وليس قانوني"، لافتاً إلى أن الوكالة الأميركية لا تعترف بالحكومة الفلسطينية وإدارتها لزمام الأمور في قطاع غزة.
واستطرد قائلاً "هذه المؤسسات تتعامل بمنطق عمل مشاريع تدعو وتهدف لسيادة القانون وعندما تأتي الحكومة لتطبيق القانون نجد تلك الجمعيات أول الرافضين لها" .
وأشار البيك إلى وضوح ملف متابعة المنظمات الأجنبية، مستدركاً "هذه المؤسسات ترفع شعار الإنسانية والشفافية ومبادئ العمل الإنساني لكنها تضرب بهذه المبادئ عرض الحائط".
وزاد في حديثه "عندما طلبنا من تلك المؤسسات إجراء التدقيق اللازم حول عملها رفضت ذلك وبررت هذا الأمر بوجود معلومات سرية في الجمعيات".
وتسائل البيك :"كيف تكون هذه الجمعيات خيرية وتحتوي على معلومات سرية كما يقول القائمون عليها وهي تتعامل بمكيالين وعليهم التعامل بانحياز واضح ومحاولة استثمار عملهم في الجانب الإنساني ولماذا ترفض هذه الجمعيات التدقيق القانوني إذا لم يكن لديها إشكاليات في العمل ؟" .
وتتواصل مجريات الأمور حول إصرار وزارة الداخلية على إجراء التدقيق القانوني على المؤسسات التابعة لـ "USAID" والرفض التام من قبل الأخيرة رغم تأكيد الداخلية أن الأصل في موضوع الوكالة الأمريكية "إداري قانوني غير سياسي".