معبر رفح.. مأساة الغزيين التي لم تنتهِ رغم وعود القاهرة الرسمية !!

مسافرون:تحسينات معبر رفح "حبر على ورق"!

30 يونيو/جزيران 2011 الساعة . 11:28 ص   بتوقيت القدس

غزة - الداخلية

لم يجد الشاب الغزي المعاق حسين أبو كريم طريقاً إلا الجلوس تحت إحدى المظلات البالية القريبة من بوابة معبر رفح الحدودي ليلتقط بعضا من أنفاسه، وليريح جسده النحيف من أشعة الشمس الحارقة، وغبار السيارات، بعد إخفاقه في حجز اسمه في كشوف المسافرين للجانب المصري من المعبر.

وبالرغم من حالة الكد التي ارتسمت على ملامح المعاق أبو كريم (30 عاماً) من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، إلا أنه رفض كل الدعوات التي أطلقها ممن جلس بجواره للرجوع إلى المنزل؛ استعطافاً منهم على حالته، وذلك أملاً في أن يسمح له بالسفر والعلاج.

ويعاني الآلاف من المواطنين الغزيين من صعوبة السفر ومغادرة القطاع بسبب تحديد أعداد المسافرين داخل المعبر، بالإضافة إلى ازدحام المعبر بالوافدين الزائرين من دول العالم، وتزامنها مع الإجازة الصيفية وموسم العمرة للأراضي الحجازية.

مهين لكل إنسان
ويقول أبو كريم لـ"فلسطين إنه وصل إلى بوابة المعبر ثلاث مرات متتالية منذ يوم الخميس الماضي، للسفر كي يتمكن من العلاج في أحد المستشفيات المصرية لتركيب طرف صناعي لقدمه المبتورة، إلا أن لم يتمكن من وصول الجانب المصري.

ويضيف وهو يتكئ على عكازه الصناعي، :"لم أتوقع أن تكون حالة المعبر على ما هي عليه، ومثل ما رأيت، فلا أولوية لمريض، ولا لمقيم، ولا لطالب؛ بسبب الإقبال الكبير الذي يشهده المعبر، وكثرة الراغبين في السفر".

ويصف أبو كريم ما يجري على المعبر بالقول": انما يجري مهين ومذل لكل إنسان، فلا يعقل أن مصابا مثلي ومبتور القدم، يبقى في مثل هذه الحالة، وأن لا ينظر إليه أي إنسان، وليس أنا على مثل هذه الحالة، فالعديد من أصحاب التحويلات المرضية بصعوبة بالغة يسافرون".

ولم تكن حالة الشاب أبو كريم بعيدة عن الحاج محمد منصور والذي أراح نفسه لبرهة من الوقت على كرسي صغير؛ ليتمكن من استعادة قوته مرة أخرى ليصل بوابة المعبر التي تركها بعد الانتظار ساعات طويلة الصباح.

ويقول منصور (70 عاماً) من بلدة بيت لاهيا شمال القطاع، إنه سجل اسمه عبر الطرق المعروفة، للعلاج في مصر، إلا أنه فشل في مغادرة القطاع لأربع مرات متتالية؛ بسبب وجود ازدحام على المعبر، وعدم وجود اسمه ضمن المسافرين المغادرين داخل صالة الانتظار.

وبعد لحظات من الصمت قال :"أنا عمري سبعون عاما، لا يوجد أي قانون في الدنيا، يمنعني من السفر، والعلاج، فلا أشكل أي خطر على أي إنسان، إن كان الاعتبار المستخدم هو اعتبارا أمنيًّا"، وتساءل في ذات الوقت: "أين التحسينات المصرية التي أعلن عنها".؟!

وكانت السلطات المصرية قد أعلنت في أواخر شهر مايو/ أيار الماضي، فتحها لمعبر رفح بصورة كاملة أمام المواطنين الغزيين، إلا أن العمل بذلك لم يستمر سوى ثلاثة أيام متتالية، حيث عاد العمل وفق النظام القديم المعمول به داخل المعبر في تحديد أعداد معينة للمسافرين خلال اليوم الواحد.

فرحة لم تتم
ويلفت إلى أن ما يدفعه إلى السفر علاج شبكية عينيه، والذي لم يتاح له عبر المستشفيات الغزية المحلية؛ بسبب نقص الخبرة، وعدم وجود الأجهزة المتطورة المساعدة لإجراء العمليات الجراحية، متسائلا:"إلى متى سيبقى معبر رفح بصورته المرسومة في عقول المواطنين؟!".

أما المواطنة زينب أبو عياد فقد دفعها الوصول إلى بوابة معبر رفح الحدودي، مؤازرة ابنها وليد، والذي لم يتمكن لمرات عديدة من تسليم جواز سفره للضباط المسئولين على المعبر، والانطلاق إلى استكمال عمله في دولة الإمارات العربية المتحدة مرة أخرى.

وبحرقة شديدة قالت أبو عياد :"ابني وصل إلى القطاع قبل أسبوعين بعد انقطاع لسنوات، إلا أن الفرحة لم تتم بعد أن وصل خبر صدم سيارة عابرة لابنه، وهو ما استدعاه للسفر (...) "ألا يكفي ما به من ألم؟!، والله لقد سقط منا أكثر من مره مغمىً عليه".

ورفعت الحاجة أبو عياد يديها متضرعة إلى الله أن يزيل الهم والحزن عن الشعب الفلسطيني، مبدية غضبها تجاه العاملين داخل معبر رفح في عدم مراعاتهم للحالات الخاصة والإنسانية، والاكتفاء فقط بما يرد في سجلات سفر المواطنين.

والسفر في قطاع غزة له طقوس مختلفة عن باقي مناطق ودول العالم، إذ على المسافر أن يسجل مسبقاً اسمه ضمن سجلات هيئة المعابر والحدود؛ لتفادي الازدحام على المعبر، وعدم الولوج في أي إعاقات بسبب كثرة المسافرين، ومحدودية الأرقام المسموح بها من الجانب المصري.

وأشارت إن ما يعاني منه ابنها يضع حداً لتفكيره في الوصول إلى قطاع غزة مرة أخرى، وهو ما يستدعي وجود وقفة جادة من قبل الجهات الفلسطينية المسئولة، على اعتبار أن العديد من الزوار يؤمون قطاع غزة في فصل الصيف.

وبصورة متوافقة مع الحاجة أبو عياد أبدى استياءه المواطن ماهر الزنط والذي يحمل الجنسية الإسبانية من عدم وضع حل للأزمة التي تعتري عمل المعبر، مشيراً إلى أنه وصل اثنتي عشرة مرة للمعبر، ولم يتمكن من الوصول إلى الجانب المصري للسفر.

أنهكهما التعب
وبعد أن وقف المواطن الزنط (38 عاماً) يسند ظهره إلى إحدى حقائب السفر، قال :"ليت المعاناة متوقفة علي فقط، انظر إلى زوجتي وابنتي اللاتي أنهكهن التعب والذهاب والقدوم من غزة والجلوس لساعات طويلة من دون أي أكل ولا شرب، وحرارة الشمس الملتهبة".

وبصوت تملكه الحزن يشير الزنط إلى أن "عملية ندم" حدثت لديه؛ بسبب المعاناة التي حلت عليه، من الوصول إلى قطاع غزة، بالرغم من أنها كانت في غاية الأهمية بسبب مرض والده، وغيابه مع أسرته لسنوات طويلة عنهم.

ولم تقتصر معاناة الزنط فقط على عدم تمكنه من السفر، إذ إن ما يؤلمه أيضاً أنه ترك طفلين آخرين من أطفاله عند أحد المقربين لديه في إسبانيا؛ لإكمال امتحاناتهم في المدارس، واعتقادا منه بسرعة الرجوع إليهم.

وبصورة مفاجئة قال المواطن الزنط :"كنت أعتقد أن الأمور غير ذلك، وأن الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، قد بدأ يذهب أدارجه، وأن العمل على المعبر يسير برؤية جديدة، إلا أن الحقيقة للأسف مخالفة لذلك، فالصورة تقول أن كل شيء على ما هو عليه".

ويؤكد العديد من الفلسطينيين أن الحصار المفروض على حرية السفر، لا يزال مفروضاً بالرغم من إعلان السلطات المصرية، حزمة من التسهيلات للمسافرين عبر معبر رفح في السابع والعشرين من شهر مايو/ أيار الماضي.

الجانب الآخر
أما في الجانب الآخر لمعبر رفح، ومن الواصلين إلى قطاع غزة الغزي أحمد تمراز، والذي بدأت عليه ملامح التعب والإرهاق بعد خروجه من الجانب المصري، ووصولاً إلى الصالة الخارجية للجانب الفلسطيني، فقال لـ"فلسطين":" إن هناك بطئاً واسعاً في معاملة المسافرين".

وأوضح أن العديد من المسافرين يفاجؤون بقرار الترحيل في حال وصولهم لمطار القاهرة الدولي، وهو ما حدث معه فعلياً، بالرغم من السماح له بالتجول لمدة 72 ساعة في وقت مغادرته، مشيراً إلى أن ذلك يلقي بمزيد من المعاناة عليهم.

وطالب تمراز السلطات المصرية، والسلطة الفلسطينية بالعمل على تحسين شروط عمل المعبر، والقيام بسلسلة إجراءات من شأنها أن تضمن حرية السفر، وعدم ترك أي معاناة على حياة الراغبين في السفر أو القدوم إلى قطاع غزة.

ولم يكن الغزي تمراز المواطن الوحيد الذي ذاق من الكد والتعب ما يكفي أثناء عودته إلى القطاع من بعد رحلة السفر التي قضاها خارج قطاع غزة، إذ إن الشاب محمد النجار روى فصولاً من المعاناة التي ألمت به فور محادثة "فلسطين" له.

النجار يقول إنه انتدب في رحلة عمل تدريبية قصيرة إلى النمسا من قبل الشركة التي يعمل بها، وكان بحوزته ما يثبت ذلك على جواز سفره، وتمت الأمور وفق النجار على ما يرام أثناء المغادرة من مطار القاهرة الدولي، إلا أن "ساعة التفاؤل" لم تدم.

ويقول الشاب النجار (30 عاماً) من مدينة خان يونس، أنه تفاجأ من رفض شركة الطيران المصرية، مغادرته بالرغم من الحجز المسبق له، مشترطة وجود إذن واضح "تأشيرة" بدخول الأراضي المصرية، كونه فلسطيني الجنسية.

استطاع النجار الحصول على الإذن المطلوب، ووصل إلى القاهرة، فاحتجز مع كافة الغزيين الواصلين في صالة صغيرة لساعات طويلة إذناً للترحيل إلى معبر رفح البري، وهو ما أصابه بالضيق الشديد بسبب المعاناة التي تقتضيها رحلة الترحيل.

من حيث أتى
أما العشريني محمد المصري، فكان لرحلته إلى الأراضي المصرية، طعم خاص، حيث قال ":إن المسئولين داخل معبر رفح وأثناء عودته إلى القطاع، طالبوه بالرجوع من حيث أتى، بسبب كبر ما يحمله من أمتعة وحقائب".

وبالرغم من أن المصري لم يخفِ أنه وجهته إلى القاهرة لم تكن سوى رحلة لجلب بعض البضائع لبيعها والاسترزاق من ربحها، إلا أنه استغرب من قرار المسئولين، على اعتبار أن الحل المعهود في حالته هي المخالفة الجمركية المالية.

اضطر المصري إلى بيع جزء كبير مما يمتلكه في سوق مدينة العريش، ليتمكن كما قال من دخول القطاع والعودة إلى أحضان أسرته التي تنتظره، إلا أنه طالب في ذات السياق بضرورة العمل بشكل مسئول على "إرجاع العمل داخل المعبر في كلا الاتجاهين إلى الفترة السابقة، وقبل حالة الانقسام السياسي الدائرة".

أما المواطن بكري وافي والعائد من زيارة لإحدى الدول الخليجية، فقال أثناء وصوله للبوابة الخارجية لمعبر رفح لـ"فلسطين":" إن الإجراءات المصرية متفاوتة من شخص لآخر، وإن العديد من المواطنين يمرون بسلاسة، إلا أن ذلك لا يشمل الجميع".

وأضاف :"أثناء الرجوع إلى القطاع ووصولك إلى معبر رفح من الناحية المصرية، لا يوجد الكثير من المشاكل، وما يجري إجراءات روتينية، في الغالب، إلا أن المشكلة أثناء الدخول، التدقيق على الأوراق والجهة التي تقصدها".

وتابع وافي بالقول :"ربما يعاني المرضى وبعض المسافرين من بطء الحركة، وهذا معروف ومؤكد، فكل نصف ساعة وأكثر يتم مغادرة حافلة واحدة فقط".


بدوره، كشف المدير العام لهيئة المعابر والحدود في قطاع غزة حاتم عويضة النقاب عن أن السلطات المصرية بدأت بتطبيق آلية جديدة بمعبر رفح البري، تأخذ بعين الاعتبار الحالات الطارئة، وخاصة الأشخاص الذين قاربت إقاماتهم على الانتهاء في الشهر الجاري، إضافة للحالات الإنسانية العاجلة.

وقال عويضة في تصريحات صحيفة": إن آلية السفر الجديدة عبر معبر رفح البري، بعد الأحداث التي جرت،مؤخراً، على المعبر، تعتمد على السماح للحالات الإنسانية بالسفر كأولوية مطلقة، ومن ثم أصحاب الجوازات الأجنبية.

وقال :"فيما يخص التسهيلات التي أقرها الجانب المصري ما زالت قائمة، ولكن الإشكالية تكمن حاليًّا في موضوع الأعداد فقط، إضافة إلى المعالجات السريعة لملف المرجعين والمدرجة أسماؤهم أمنيًا".

وأضاف :"نحن في أزمة حقيقية نتيجة تراكم الأعداد، وقد أشرنا مسبقًا إلى أن الحالات المسجلة عندنا تتجاوز 20 ألف حالة تستدعي السفر خلال الثلاثة أشهر القادمة"، موضحاً أن الجانب المصري يعاني من العديد من المشاكل اللوجستية، وفي حاجة لزيادة أعداد الكوادر العاملة.

وأكد على أن هناك سعيا من الجانب الفلسطيني، وتفهما من الجانب المصري بضرورة استيعاب الأعداد المقررة عبر معبر رفح البري.

وفي نفس السياق وحول ملف الترحيل، قال عويضة :"الترحيل من معبر رفح البري إلى مطار القاهرة تم إلغاؤه بالكامل، والحالات التي تسافر تأخذ 72 ساعة مرور، وهذا القرار تم اتخاذه من الجانب المصري حرفيًّا".

وأضاف:"هناك ترحيل من مطار القاهرة لغزة بسبب عدم وجود قوة شرطية لإدخال المسافر لمصر، وهنالك الكثير من الحالات تدخل للقاهرة والإشكالية تكمن في السن الذي يجب أن يحصل على ترخيص".