هناك في أحد أزقة وشوارع منطقة التفاح والدرج شرق مدينة غزة عام 1984م صدحت صرخة الطفل "عبد الحميد حمادة" بين يدي أمه لتعلن ميلاد فارس جديد على درب فرسان فلسطين وقادتها.
الشهيد "عبد الحميد حامد حمادة" نشأ في أسرة كريمة ملتزمة بتعاليم الشرع والسنة النبوية الشريفة، التزم منذ صغره في مسجد التابعين لتعلم كتاب الله وأمور دينه، وأتم حفظ القرآن الكريم وهو يبلغ من العمر الخامسة عشر، ليقوم في ذات العام بإلقاء أول خطبة دينية أمام جموع المصلين، كما أنه كان يخرج في الأسبوع ثلاث مرات للدعوة إلى الله وإرشاد الناس إلى طريق الهدى والنور وكانت مقولته المشهورة: "ربوني مشايخ الدعوة".
تاج الوقار يا أمي
بدأ شهيدنا عبد الحميد مسيرته التعليمية بالمرحلة الابتدائية التي درسها في مدرسة صلاح الدين، لينتقل إلى المرحلة الإعدادية في مدرسة يافا القريبة من بيته في حي التفاح، ثم إلى المرحلة الثانوية في مدرسة الموهوبين حيث تخرج بتقدير جيد جداً، ليلتحق بعدها بكلية الشريعة الإسلامية في الجامعة الإسلامية بغزة، ويتخرج منها إلى الجنان قبل انتهاء موعده الرسمي بعام حيث لقاؤه مع الله والحور العين أسرع.
عاش عبد الحميد حياته مع أسرته المكونة من عشرة أفراد ، فكان محبوباً من والديه ، ومن إخوانه وأخواته.
و للشهيد علاقة خاصة مع والدته في أدبه واحترامه لها، فأمه تروي لنا كيف كانت تحاول رده عن طريق الشهادة لشدة خوفها عليه إلا أنه كان يجيبها دوماً: " كيف بدي ألبسك تاج الوقار يوم القيامة".
ويقول والد الشهيد: "عبد الحميد رحمه الله كان كتوماً جداً ولا يتحدث عما يفعل وتفاجأت بعد استشهاده بالكثير من الأشياء التي كان يفعلها في مقارعة العدو الصهيوني، وصرف معظم راتبه للأسر الفقيرة في الحي".
محبة الجيران وتربية الأجيال
تميز شهيد الشرطة الفلسطينية بالتواضع وسمو الأخلاق ورفعتها، مهذباً، لا يعرف الذل أو الركوع إلا لله سبحانه وتعالى، فكان يحترم الصغير ويوقر الكبير، وكان مخلصاً في كل عمل يقوم به.
يقول شقيق الشهيد "كان رحمه الله يرتبط بعلاقة اجتماعية كبيرة مع الأهل والجيران والأحبة، وقد امتاز بصفات حميدة ميزته عن غيره من أبناء جيله، فكان دائماً بشوش الوجه، كثير الضحك والمزاح مع الآخرين، يكره الحقد والغيبة والنميمة والتعدي على أعراض الناس، وإذا سمع أحداً يغتاب شخصاً يذكره بحرمة ما يفعل، حتى يخجل ويستغفر الله عز وجل".
وأحب الجيران وأهل الحي عبدَ الحميد، أحبوا أدبه وخلقه ، أحبوا تعليمه وتحفيظه لأبنائهم، وإذا أغضب أحداً من الجيران ذهب إلى بيته يطلب منه السماح، كما كان يقبل النصيحة من الجميع بكل هدوء، إضافة إلى ذلك كان يسير بين الناس بالصلح فلا يجد متخاصمين إلا وأصلح بينهما، وقد كانت كلمته مسموعة لدى الجميع حتى عند من يكبرونه سناً.
وتميز شهيدنا بصفة التواضع والكرم وتقديم المساعدة لكل محتاج بل كثيراً ما كان يؤثر غيره على نفسه، وهنا يقول شقيق شهيدنا عبد الحميد: "في ظل أزمة الغاز والحصار التي يمر بها شعبنا الفلسطيني، لم يكن لدينا سوى أسطوانة غاز واحدة، ولما علم عبد الحميد أن جاره يحتاج للغاز، فما كان منه إلا أن حمل الاسطوانة وأعطاها له كي يقضي حاجته".
وكان للشهيد فضل في تربية جيل كبير من النشء على منهج الدعوة الإسلامية هذا ما شهد به أقاربه ، فقد أعد برنامجاً تربوياً بعد كل صلاة فجر لشباب مسجده يدعوهم من خلاله إلى الالتزام بطاعة الله وحفظ كتابه العظيم، حتى أصبح يعطيهم المحفزات المادية ويقول لهم: "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون".
ويقول أحد أصدقائه: "لم يكن الشهيد عبد الحميد يترك جنازة أو موقفاً يذكر فيه الناس بالله إلا ويشارك فيه، فكان دائماً يشارك في جنازات الشهداء والمواطنين وبعد انتهاء الدفن يقوم بإلقاء الموعظة على الحاضرين".
في الشرطة
التحق الشهيد عبد الحميد حمادة بجهاز الشرطة الفلسطينية عام 2006م مع تشكيل القوة التنفيذية التي شكلها الشهيد الوزير سعيد صيام برتبة ملازم، ليتحمل مسؤولية دورية من دوريات القوة ويشرف على عملها وأدائها، إلا أنه ومن شدة تواضع الشهيد لم يكن يعرف عن نفسه بمسؤول الدورية.
وبعد أحداث يونيو 2007 التحق الشهيد للعمل في مركز شرطة التفاح والدرج كمسؤول لدورية من دوريات المركز، ويقول أحد أصدقاء الشهيد وزميله في العمل: "كان عبد الحميد رحمه الله متواضعاً جداً حتى في إعطائه الأمر العسكري، كان لا يتعامل مع أفراد دوريته كمسؤول وإنما كأحد أفرادها، يشعر بشعورهم ويهتم بهمومهم".
ويذكر زميل آخر موقفاً لشهيدنا يدلل على تواضعه، "إذا ما خرجنا في مهمة عمل تجد عبد الحميد في المقدمة وعندما يستقل جيب الشرطة يجلس في الكرسي الخلفي ولا يقبل الجلوس في الكرسي الأمامي إلا بعد إلحاح من أفراد المجموعة".
ولم يهمل الشهيد الملازم الجوانب الروحانية وتعزيز الروح الإيمانية لدى أفراد دوريته والعاملين معه في سلك الشرطة، فكان دائماً يحث زملائه في العمل على الصيام والقيام وتلاوة القرآن واستغلال أوقات الراحة في ذكر الله، لاعتقاده رحمه الله أن الشرطي يجب أن يكون رحيم القلب، حلو اللسان، حسن المعاملة، وهذا لا يتأتى إلا من خلال تعزيز الروح الإيمانية عند الشرطي ذاته.
عبد الحميد شهيداً
تقول والدة الشهيد "كان يرفض توديعي عند خروجه للعمل أو في حالات الاستنفار والطوارئ لأنه يعلم رقة قلبي وفي أحد الايام "غلط" وجاء يقبلني ويودعني ويوصيني إن استشهد أن أصبر وأحتسب وهنا لم أتمالك نفسي وصرت أبكي وأحاول منعه من الذهاب فقال لي "هذه آخر مرة بعمل هالغلطة " .
ويروي صديق الشهيد أن عبد الحميد رأى في منامه قبل استشهاده بأيام ثلاث أنه يقاتل مع الصحابيين الكريمين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ويصاب بسهم في قلبه فيستشهد" .
ويضيف " وقبل يوم من استشهاده كان تحت شجرة زيتون على جبل الريس فقطف منها ورقة وقال لي موعد مع هذه الشجرة " .
كما كان الشهيد يتمنى من الله تعالى أن يكرمه بأن يخرج للحج أو أداء العمرة في مكة المكرمة ، وكان قد خصص حصالة لتوفير مبلغ العمرة .
وفي فجر 1-3-2008م تقدمت قوات الاحتلال الصهيوني على جبل الريس ليقف عبد الحميد أمامها بصدره الملتهب بالإيمان وشوق الشهادة فيشتبك معهم ساعات طوال ويستشهد رحمه الله تحت الشجرة التي عرف أنه على موعد معها وبرصاصة واحدة في قلبة لتتحقق الرؤيا .
ويستشهد عبد الحميد في اليوم الذي أخذت والدته موعداً لتخطب له فتاة فلسطينية كريمة ، فكانت الحور العين في جنان عليين سبّاقة للقائه.
وتروي والدة الشهيد بابتسامة صابرة والدة لحظات الوداع الأخيرة وهي تقول " أحضروه أمامي مسجى باسماً ، يخرج من وجهه النور وأصبع السبابة مرفوع ينطق بالشهادة لأودعه وأقبله وأنا أقول له " ارتحت يما هيك استشهدت " فرأيت انفراجاً شفتيه لتزداد ابتسامته فتملأ وجهه " .
وأوصى شهيدنا عبد الحميد حمادة أن تكون جنازته صامته دون أن يطلق احد الرصاص وأن يصلي عليه الشيخ فادي الدالي، وأن يتلى القران في عرسه عرس الشهادة بصوت الشيخ بدر المشاري، بالإضافة إلى أن يضع أهله بعض المال في مكتبة المسجد، وأوصى أهله بالصبر وعدم البكاء عند سماع نبأ استشهاده.