في الذكرى الثالثة لاستشهاده

الشهيد اسليم .. فارس في المالية العسكرية تميز بالهدوء والذكاء

3 مايو/أيار 2011 الساعة . 08:12 ص   بتوقيت القدس

 


غزة:  كتب/ رائد أبو جراد

هو عهد الرجال، أصحاب العزيمة التي لا تلين، والهمة التي لم تضعف أو حتى تستكين، وهي تضحيات أولئك الأبطال الذين رسموا بدمائهم الزكية الطاهرة خارطة الوطن الفلسطيني المسلوب، فكتبوا ببريق دمائهم بطولات وجولات وصولات، وجسدوا بتضحياتهم طريق العبور نحو القدس والأقصى، وصبروا على الابتلاءات والمحن، حتى خجل الصبر من صبرهم، واحتسبوا معاناتهم في سبيل الله وحده، فكانوا بحق فرسان وزارة الداخلية والأمن الوطني وأبطال الشرطة الفلسطينية.

عامل مخلص

كم عرض من سير شهداء، إلا أننا نقف اليوم على أعتاب سيرة نادرة لأحد الأعلام في الجنة والمجهولين في في عملهم الصامت على الأرض، إنه الشهيد الملازم أول (محمود عبد المعطي اسليم) 26 عاماً والذي عمل قبل استشهاده في إدارة المالية العسكرية بوزارة الداخلية والأمن الوطني وكان نعم العامل المخلص والشرطي الوفي.

ولد شهيدنا الشرطي "محمود" في الأول من شهر آذار/ مارس من العام 1980م في حي الدرج بمدينة غزة وعاش طفولته في بيت جدته، حيث كان يقوم بإعالتها وإعالة عماته المرضى، فكان يمتاز بالهدوء والحياء الشديدين، وعقليته الفذة والعبقرية.

والتحق شهيدنا المكنى بـ"أبو أنس" في المدرسة الابتدائية، فكان طالباً مجتهداً محافظاً على دروسه وعلاقته الطيبة مع أصدقائه، وأتم المرحلة الإعدادية والثانوية ومن ثم التحق شهيدنا محمود بالجامعة ليتخرج من قسم المحاسبة في الجامعة في العام 2003م.

"كان ملتزما بأخلاق رفيعة وصفات عالية، إضافة إلى محافظته على الفروض والأذكار"، أولى الكلمات التي سردها والد الشهيد محمود الحاج أبو أحمد اسليم، واصفاً نجله الذي ارتقى جراء استهدافه من قبل الاحتلال الصهيوني أثناء تأديته واجبه الوطني في شباط/ فبراير من العام 2008.

ويقول الستيني أبو أحمد: "كانت علاقته بي وأمه علاقة طيبة جدا، وكان يعاملنا بكل حب واحترام وتقدير، ولا يرفض لنا طلبا أو يعصي لنا أمراً".

ويشير والد الشهيد إلى أن والدته كانت دائما ما ترضى عنه وتدعو له بالتوفيق وكان يساعدها في كل ما تحتاجه وتطلبه منه.

امتاز شهيدنا "محمود" بالهدوء الشديد والتواضع العالي، فقد كان مثالاً لكل إخوانه في التواضع الشديد والحياء، علاوة على احترامه الشديد للكبير وعطفه على الصغير، كما اتصف بذكائه العالي الذي أهله فيما بعد أن يكون موظفاً في الشؤون المالية العسكرية بالشرطة الفلسطينية.

وتابع والده أبو أحمد: "كان يحب إخوانه جميعا ويكن لهم كل الاحترام والتقدير، ومن حبه وحرصه عليهم كان دائما ما يدعوهم إلى طريق المساجد والانخراط في طريق الدعوة إلى الله".

تربية إسلامية طيبة

ويؤكد أن نجله الشهيد تميز بكتمه للسر وتربيته الإسلامية الطيبة في المساجد وطاعته لوالديه وأقربائه خاصة جدته الطاعنة في السن والتي توفيت بعد استشهاد محمود بعدة أشهر.

ومضى يقول :"جميع أبنائي طيبون يعاملوني معاملة حسنة لكن محمود كان يتميز عن الجميع بكتمه السر وحياءه المتواصل".

أما والدته أم أحمد فسردت الصفات الطيبة التي امتاز بها نجلها الشهيد، وقالت "كان طيباً حنوناً ملتزماً بشكل كبير ولا يحب أن يزعل أحد منه ويحب الحق والطريق الصواب".

وبينت أن ذكرى استشهاد نجلها الثالث من بين أبنائها السبعة لا تغادر ذاكرتهم في كل عام، موضحةً أنها تعلقت بشكل كبير بالشهيد "أبو أنس" وأنه من الصعب على ذاكرتها أن تفتقده في يوم من الأيام.

وأضافت أم أحمد: "الله عز وجل اصطفى محمود في عداد الشهداء بعد عشرين يوماً على عقد قرانه ولم يهنأ بعروسه في الدنيا"، موضحة أن آخر لقاء جمعه وخطيبته وأسرته كان ليلة استشهاده التي صادفت يوم الجمعة الثامن والعشرين من شباط / فبراير 2008.

وتابعت: "كان آخر لقاء جمعنا بمحمود متميزاً وظهرت الابتسامة جلية على وجه محمود ولم أره يضحك بشكل كبير كما كان وجهه مشرقاً بالابتسامات في مثل تلك الليلة الأخيرة في حياته"، منوهةً إلى أنه كان يرغب في النوم في آخر يوم لاستشهاده لكن نداء الواجب اضطره لترك الفراش وتجهيز عتاده والتوجه لصد الاجتياح الصهيوني شرق حي التفاح.

وتروي أم احمد أنها شاهدت في منامها قبل أسبوعين على استشهاد نجلها محمود شقيقه "إسماعيل" الذي يصغره سناً وقد أتى نبأ استشهاده على بيتهم المتواضع .. لكنها لم تكن تدرك أن القدر يخبئ لأسرتهم ارتقاء "أبو أنس" في يوم ميلاده السادس والعشرين وبعد 21 يوماً فقط على عقد قرانه على عروسه في الدنيا ليرتحل للدار الآخرة ويعقد قراناً أبدياً مع حواري الجنان ويلتقي بمن أحب في الدنيا من الشهداء والأصحاب.