لم تبال بالمصاعب، انطلقت إلى عملها يملأ قلبها أمل بغد أفضل لأبنائها، ولجنينها الذي لم يحظ بفرصة الخروج إلى هذا العالم، فكانت صواريخ العدو هي السباقة لأن تنهي حياة الشهيدة نازك أبو ريا لتنطلق مع جنينها نحو الفردوس، نازك ..حالة فريدة بين التفاعل الأصيل بين حب الدين وحب الوطن والإخلاص له
نازك وتاج الوقار
وفي بيت جدتها التقت "صحيفة الداخلية" عائلة الشهيدة نازك حسن أبو ريا إحدى أفراد دائرة الأمن المسبق في جهاز الأمن والحماية والتي ارتقت مع الشهيدة هدى النجار خلال الضربة الأولى للمنتدى في حرب الفرقان .
تقول أم علاء والدة الشهيدة:" ولدت نازك في جباليا وترتيبها الرابع بين إخوتها وتعود أصولها لقرية برير المحتلة ، درست الابتدائية والاعدادية في مدارس جباليا .
وتضيف الأم المكلومة:" نشأـت نازك نشأة دينية منذ الصغر فقد كانت مميزة عن أخواتها بتعلقها الشديد في المساجد وابتسامتها التي لا تغادر شفتيها حفظها للقرآن الكريم فقد حفظت في آخر حياتها أجزاء كبيرة منه وكانت تقول لي سألبسك تاج الوقار وتردد دائما خيركم من تعلم القرآن وعلمه.
وأوضحت الأم أن ابنتها نازك كانت قد أعدت شريط فيديو يضمها مع أبنائها قبل استشهادها بفترة قصيرة وكأنها كانت تحس بأنها ستمضي قريبا .
وتستذكر الأم لحظة الفراق فتقول:" حينما وصلني خبر استشهادها تمازج شعوري بين الفرحة والألم فرحة بأنها في الجنة وألم على فراقها الصعب لكني صبرت واحتسبت وأرجو الله أن يجمعني معها في جنته.
نائل أبو رية زوج الشهيدة وأحد أفراد إدارة التدخل وحفظ النظام يقول:" تزوجت من ابنة عمتي نازك منذ 12 عاما لخلقها ودينها وأدبها فقد كانت نعم الزوجة والأم حيث رزقنا الله بمارية 10 أعوام وأحمد 6 أعوام، وقبل شهادتها كانت حاملا في الشهر الثالث".
وبحزن بالغ يستذكر نائل السنوات التي عاشها مع زوجته فيضيف:" لقد كانت نازك تخشى عليّ أن يصيبني مكروه خاصة وأني أعمل في إحدى المقرات الأمنية فدائما كانت تشدد عليّ بأن أكون حريصا على حياتي" .
نصر مبين
وأوضح الزوج أبو رية أن نازك كانت زوجة مثالية بمعنى الكلمة فقد تعلقت بالمساجد وبحلقات الذكر وبدورات الأحكام أكثر من تعلقها بحلقات السمر مع الرفيقات تذكر الموت في كل لحظة وتتمنى أن تلقى الله شهيدة، ويتابع:" لقد كانت نازك إحدى النساء اللاتي خرجن لإنقاذ المجاهدين الذين حاصرهم الاحتلال في مسجد أم النصر في بيت حانون، لقد ودعتنا متمنية الشهادة في سبيل الله فعادت بالنصر المبين حيث نجا المجاهدون في المسجد من قبضة العدو .
أما عن علاقتها بأطفالها فأشار الزوج أبو رية إلى أن نازك كانت أما حنونة تعطف على أبنائها، فكان لفقدانها أثرا نفسيا للفراغ الكبير الذي أحدثته شهادة نازك في حياتهما.
أما عن عملها في الأمن والحماية قال:" لقد كانت نازك حديثة العمل في جهاز الأمن والحماية فحينما عرضت عليّ أمر عملها لم أعارض في ذلك لرغبتها الشديدة فيذلك رغم أنني أعرف مدى خطورة التحاقها بجهاز عسكري.
مكالمة أخيرة
وفيما يتعلق بيوم استشهاد نازك تابع الزوج أبو رية:" فجر السابع والعشرين من ديسمبر صلت نازك وأيقظتني و أطفالها لتناول الفطور في ساعة مبكرة جدا كأنها كانت تودعنا، ثم خرجت إلى عملها إلى أن قمت بالاتصال عليها قبل الحدث المؤلم بعشر دقائق وكانت المكالمة الأخيرة لأسألها عن أمر من أمور البيت حينها صارت تتحدث معي بشغف وتقول لي:" لا تنهي المكالمة " كأنها أحست بالنهاية".
وأضاف:" حينما سمعنا الضربة انتابني هاجس أن زوجتي قد حدث لها شيء فخرجت مسرعا إلى المنتدى الذي كان مدمرا بالكامل ، ومن هول المنظر لم أعرف أن زوجتي استشهدت إلا عصر ذلك اليوم
أما الجدة التي اتخذت جانبا من الغرفة والدموع كانت قد شقت لها طريقا على خديها حزنا على فراق حفيدتها نازك تقول بصوت ضعيف :" نازك بنت مجاهدة تذكر الشهادة في كل وقت وحين وتتمنى أن تلقى الله شهيدة في سبيله".
وتسكت الجدة قليلا وقد أنهكتها الذكرى الأليمة ثم تتابع:" قبل استشهاد نازك بليلة واحدة جلست عندي تحدثني ،كانت تداعب طفلها أحمد كأنها تراه لأول مرة فلم أحس حينها أنه اللقاء الأخير بيننا وبينها.
شجاعة وهدوء
رائدة أبو عجوة مديرة دائرة الأمن المسبق في جهاز الأمن والحماية تحدثت عن نازك أبو رية وصديقتها هدى النجار التي ارتقت معها فقالت :" كنت أحس أن هدى ونازك يختلفن عن باقي العاملات في الدائرة تجمعهن صفتين خاصتين الشجاعة والهدوء معا ".
وأكدت أبو عجوة أن الشهيدتين عملتا في جهاز الأمن والحماية لفترة قصيرة قبل استشهادهما حيث تلقتا دورة تدريبية عسكرية ورغم أن الشهيدتين كانتا تعانيان تعب الحمل إلا أن شغفهما للعمل كان يفوق كل الوصف .
وتذكر أبو عجوة موقفا للشهيدة نازك التي ألمّ التعب بها ذات مرة بسبب التدريب على حمل السلاح وكانت تحتاج إلى نقلها للمستشفى إلا أنها رفضت ذلك بكل قوة وتعالت على ألمها وتابعت التدريب .
أما عن يوم شهادتهما فتقول أبو عجوة :" بدأ اليوم كأي يوم عادي لكن الغريب في ذلك اليوم أننا ضحكنا معا بشكل غريب بعدها ذهبت إلى مكتبي فسمعت صوت انفجار من بعيد فالتفت إلى الخلف فكانت الضربة القاضية التي استشهد فيها العشرات من أبناء جهاز الأمن والحماية وكانت من بينهما هدى النجار ونازك أبو رية اللتان ارتقتا إلى الله بنفس صافية وقلوب راضية وأملا في لقائه".