في دراسة صدرت نهاية مارس 2011 .. البروفسور الصايغ: أجهزة الأمن في غزة أكثر تماسكاً ومهنية من قطاع الأمن في الضفة الغربية

4 أبريل/نيسان 2011 الساعة . 10:40 ص   بتوقيت القدس

أكد الباحث في مركز كارنيغي للسلام الدولي البروفيسور يزيد الصايغ أستاذ دراسات الشرق الأوسط في دائرة دراسات الحرب في كلية "كنغز" في لندن، أن قوات أمن السلطة الفلسطينية في غزة استفادت من غياب الدعم الخارجي، وقال: "حماس، وليس الجهات الخارجة المانحة هي التي تختار كيفية رسم السياسات والبرامج لقوات الأمن تلك، وهي التي تحدد أولوياتها"، مضيفاً: "نتيجة لهذا الشعور بـ"المُلكية" أصبح قطاع الأمن في غزة أكثر تماسكاً، ويملك تسلسلاً قياديا واضحاً، وقد طور قدرات تدريبية وتخطيطية أكثر مهنية من قطاع الأمن في الضفة.

إعادة بناء ذاتية

وفيما يتعلق بضبط المجتمع وبناء الدولة، أكد الصايغ أن قطاع الأمن في الحكومة الفلسطينية بغزة أعيد بناؤه وهيكلته من دون مساعدة خارجية تذكر، مشيراً إلى أنه من الناحية التقنية "حقق أكبر قدر من التقدم رغم شح الموارد المتاحة لها "ما اضطرها إلى ترشيد قطاعها الأمني بمجمله".

وبالنسبة لأجندة الإصلاح، قال: "حقق القطاع الأمني في غزة عملية إعادة بناء مسيرّة ذاتيا تماماً، بحيث باتت عناصره مندمجة بوضوح أكبر ضمن منظومة أمنية واحدة موحدة".

وأكد الصايغ أن حكومة هنية وحركة حماس لم تواجها مشكلة قول "لا" للتدخل الخارجي، وقال: "من الواضح أن المقاطعة السياسية والمالية التي أقرتها اللجنة الرباعية للشرق الأوسط (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة) في نهاية آذار/ مارس 2006 تقاطعت مع الحصار الاقتصادي الإسرائيلي والحظر المصري- الإسرائيلي المشترك على السفر عبر معبر رفح، وهي كلها أمور جعلت الاعتماد على الذات ضرورة مطلقة".

وأشار الصايغ إلى أن ضباط أمن قوات السلطة الفلسطينية المدربين في ظل قيادة فتح، والذين انضموا إلى قطاع غزة بقيادة حماس بعد حزيران/ يونيو من العام 2007 قد ساهموا مساهمة كبيرة في استعادة القانون والنظام العام في غزة، مبينا أن هذا يقدم المزيد من التأكيد على حقيقة أن قطاع الأمن الذي تديره حماس أظهر حتى الآن أنه أكثر فعالية في استخدام الموارد البشرية المحدودة المتاحة لديه.

وأكد الصايغ أن الشرطة الجديدة التي أنشأتها حماس قامت بإعادة مركز عرفات للتدريب، لاستيعاب المنتسبين الجدد، وفي المرحلة التالية أعادت تنشيط المديرية العامة للتدريب من أجل القيام بـ" التدريب الأمني والمتخصص" لجميع فروع قوات أمن السلطة الفلسطينية، حيث خضع 750 ضابط متدرب إلى "دورات التأهيل" التي أقامتها بين العامين 2008 و2010.

وتابع الصايغ: "أنشأت وزارة الداخلية في الحكومة الفلسطينية بغزة معهد تدريب ضباط الإسعاف وتأهيل السائقين لتعزيز الأجهزة المساعدة في قوات أمن السلطة الفلسطينية- أي الدفاع المدني، والخدمات الطبية العسكرية- التي تخدم الجمهور العام"، منوها إلى أنه الأكثر إعجابا كان كلية الشرطة التي فتحت أبوابها في تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2009 لأول 150 طالب كي يخضعوا إلى برنامج مدته ثلاث سنوات يتخرجون بعدها برتبة ملازم، حاملين معهم أيضا شهادة البكالوريوس أو الدبلوم في علوم الشرطة والأمن.

وأشار الصايغ إلى أن هذه التطورات تدل على قدرة فعلية على التخطيط، "فوزارة الداخلية تتمتع باستقلالية حقيقية في وضع أهداف قوات أمن السلطة الفلسطينية في غزة، حيث تقوم بتحديد المهارات التي هي في أمس الحاجة إليها، وبصياغة مضمون التدريب تبعا لذلك، مع الحفاظ على أعداد القوى العاملة بما يتفق مع حدود الموارد والفرص المتاحة".

وأضاف: "على النقيض من مزيج "المدارس" الأمنية في الضفة الغربية الناجم عن تعدد الجهات المانحة وعدم توحيد مناهجها، يبدو أن المهارات والمعرفة التي يكتسبها متدربو غزة يتم تكييفها لتتكامل مع الأساليب المحلية".

وبين الصايغ أنه في أيار/ مايو من العام 2010 قامت قوات أمن السلطة الفلسطينية في غزة بقبول 200 منتسب جديد في سلك الشرطة بعد مراجعة داخلية انتهت إلى أنها بحاجة إلى تحسين التوازن بين صفوف الضباط المقلدين وضباط الصف والأفراد.

نشاطات متنوعة

وأكد أنه وبحسب تقرير صدر عن وزارة الداخلية في غزة في منتصف تشرين الأول/أكتوبر من العام 2010 عن نشاطاتها يقدم مؤشرا مفيدا على الاختلاف في النهج مقارنة بالضفة الغربية، ويقول: "ذكر التقرير أن وزارة الداخلية أشرفت على ثماني عشرة دورة تدريبية لـ333 من موظفيها المدنيين منذ بداية العام- وهي نسبة كبيرة من مجموع أفرادها في مروحة المهارات تتراوح بين إدارة الوقت والموارد البشرية وإدارة الميزانية المحوسبة إلى التخطيط الاستراتيجي والتفكير الإبداعي والتفويض الفعال للمرؤوسين، حيث خصصت الموارد المالية والمادية الشحيحة لذلك الغرض بمحض إرادته وجهوده ومن دون أن تحثه على ذلك جهات مانحة"، مبينا أن الأمر الملفت هو إظهار قطاع الأمن في غزة على الظهور أمام جمهوره بوصفه قادرا على تأدية مهامه وتوفير الخدمة المهنية.

ويرى الصايغ أن قطاع الأمن في غزة يكشف عن معالجة معرفية لافتة للنظر حيث يرى المشاكل ويشخصها على هذه النحو، ما يطلق عليه عملية تشاورية لبلورة الردود وتقييم النتائج، وتصفية أو تنقيح أو تعديل المقاربات الأولية.

وأشار الصايغ إلى أن نجاح حكومة هنية منذ حزيران/ يونيو من العام 2007 في إنهاء الفوضى المسلحة والفلتان الأمني اللذين سادا سابقا في قطاع غزة ناجم أساسا عن إنشاء تسلسل قيادي واضح، وعن تبعية قطاع الأمن إلى السيطرة المدنية التي يمارسها وزير الداخلية المفوض تفويضا واضحا لا لبس فيه.

وتابع: "إذا كانت قوات أمن السلطة الفلسطينية في غزة موحدة ومندمجة بشكل فعلي، فقطاع الأمن في الضفة الغربية منقسم بشدة، فالتوجيهات تهبط نزولا من القادة المنفردين والمعلومات تصعد صعودا عموديا إليهم، بقدر قليل من التنسيق الجانبي أو الأفقي في مابين الفروع المختلفة في كلتا الحالتين".

واعتبر أن الأمر لا يقتصر على أن قنوات الاتصال والتبعية العامودية هذه تعرقل تطوير قوات أمن السلطة الفلسطينية وأداءها فحسب، بل تديم أيضا الضعف المزمن لوزارة الداخلية وتقوض محاولاتها لتقديم خدماته إلى الجمهور العام.

وأوضح أن الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة برئاسة إسماعيل هنية اضطرت إلى ترشيد تنظيم عملياتها نتيجة افتقارها لمساعدات خارجية كبيرة بخلاف المساعدات التي تقدم لأجهزة فتح بحكومة فياض بالضفة.

وقال الصايغ: "استفادت قوات الأمن في غزة من غياب الدعم الخارجي واختارت الحكومة بقيادة حماس طرق رسم السياسات والبرامج وحددت أولوياتها، ونتيجة ذلك أصبح قطاع غزة أكثر تماسكاً ويملك تسلسلاً قيادياً واضحاً"، مشيراً إلى أن الأجهزة الأمنية في قطاع غزة تمكنت من تطوير قدرات تدريبية وتخطيطية وصفها التقرير بـ"الأكثر مهنية من تلك التي تقوم عليها أجهزة الأمن التابعة لحكومة فياض بالضفة".

وأضاف الباحث: "أكدت حماس سريعاً السيطرة المدنية غير الملتبسة على قطاع الأمن في غزة، وانطلقت الحكومة الفلسطينية في غزة على الفور ببناء قطاع أمني جديد خاص بها".

قيادة جديدة

وأشاد الصايغ بالخطوات التي اتخذها وزير الداخلية الفلسطيني الشهيد سعيد صيام بإنشاء قيادة جديدة للشرطة بإمرة اللواء الشهيد توفيق جبر الذي رفض التقيد بسياسة الاستنكاف التي أقرتها حكومة فياض، منوهاً إلى أن الشهيد صيام منح جبر التفويض لإعادة تنظيم قوات أمن السلطة في غزة.

ولفت النظر إلى أن الفصل الرسمي بين كتائب القسام والأجهزة الأمنية في غزة ساهم في تعزيز مكانة قوات الأمن المحلية والتي تتولى الصدارة في حفظ القانون والنظام العام، "كما تقلصت قوات أمن السلطة الفلسطينية مما يزيد عن عشرة فروع عملانية إلى أربعة فقط".

وفيما يتعلق بالرقابة العامة على أجهزة الأمن في غزة، قال الصايغ: "على النقيض من وزارة الداخلية في الضفة تمثل واحدة من الخطوات الأولى التي اتخذها صيام في تعيين مراقب عام مفوض بهدف فرض الانضباط داخل قوات أمن السلطة الفلسطينية".

وتابع: "من الواضح أن الرجل الذي اختاره الوزير صيام كان الكادر المخضرم حسن الصيفي يمارس تأثيراً كبيراً داخل قطاع الأمن تسنده مكاتب فرعية في كل محافظات غزة الخمس".

وأشاد الصايغ بقوة شخصية الوزير الشهيد سعيد صيام، بالقول: "عاد الفضل في التطورات جزئياً إلى قوة شخصية صيام، إلا أنها انعكست أيضاً إدراكاً بأن الشرعية المحلية للحكومة الفلسطينية برئاسة إسماعيل هنية تعتمد إلى حد كبير على إظهار اهتمام مقنع بالخدمة العامة".

وبين أن الدوائر المدنية وإدارات الخدمات العامة بوزارة الداخلية في قطاع غزة تطورت بشكل مستمر رغم الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع لأكثر من خمس سنوات على التوالي.

ومضى يقول: "أتاح فرض السيطرة المدنية من دون منازع حدوث تحول حقيقي في وزارة الداخلية ويتمثل المظهر الأكثر وضوحاً على ذلك في تطوير خدمات الإنترنت لتمكين سكان غزة بمعدلات وصول واستخدام عالية لشبكة الانترنت من تسجيل المواليد والوفيات وتقديم طلبات الحصول على جوازات سفر والوثائق الأخرى وتسجيل الشركات والمنظمات غير الحكومية وتقديم الشكاوي".

مفارقة كبيرة

يوضح التقرير أن اجمالي النفقات لقطاع الأمن خلال عام 2010م في حكومة فياض بلغ ما يقارب 956 مليون دولار أمريكي في حين بلغت نفقات الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة 132 مليون دولار.

ويوضح الصايغ أن منظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام المستقلة في الضفة تعرضت إلى اعتداءات مباشرة من قبل أجهزة أمن حكومة فياض بعد كشفها بشكل متزايد عن الانتهاكات منذ أيار/ مايو الماضي.

ويضرب الصايغ في دراسته مثالاً لانتهاكات أجهزة أمن حكومة فياض حيث قام مئات من أفراد المخابرات العامة باللباس المدني بتفريق تجمع سياسي في رام الله في آب/أغسطس من العام 2010م تعرض خلاله صحافيون ومراقبون لحقوق الإنسان إلى الاعتداء عليهم.

ويرى معدّ الدراسة من خلال هذا الحدث أنه دليل على مدى الضعف الذي وصلت إليه السيطرة المدنية على أجهزة الأمن في الضفة الغربية، مضيفاً: "أن الهجوم تم بتحريض من بعض مستشاري عباس".

ويقارن الصايغ بين أجهزة أمن حكومة فياض والأجهزة الأمنية في قطاع غزة في امتلاك القرار، فيجد أن الأجهزة الأمنية في غزة ليست متفوقة من ناحية المعدات والتجهيزات، لكنها هي وحدها التي تحدد هدفها واتجاهها حسب سياسة الحكومة، موضحاً أن امتلاك الحكومة الفلسطينية قراراها ساعد في نجاح قطاع الأمن في تشكيل نظام متكامل ومترابط.

في المقابل يقول الصايغ: "يلاحظ مستشار أجنبي يعمل مع قطاع الأمن في الضفة أن الفلسطينيين لا يسيطرون على قطاعهم الأمني، لا وزارة الداخلية ولا فياض والرئيس".

والسؤال إذن من المسيطر على أجهزة الأمن في حكومة فياض؟؟ يضيف الصايغ: "إن منسق الأمن الأمريكي وبعثة الشرطة الأوروبية وبعض الأجهزة الأمريكية مثل وكالة الاستخبارات الأمريكية هي التي تتحكم بأهداف وأولويات ومحتوى وتطوير قطاع الأمن في الضفة الغربية".

ويرى الباحث أن إعادة توحيد قطاعي الأمن في الضفة وغزة يطرح أسئلة محرجة، أولها أنه من الصعب تبرير إعادة المنتسبين إلى قوات الأمن في غزة ممن تقيدوا بسياسة "التزام المنازل" إلى الخدمة الفعلية طالما أن قطاع الأمن الذي تقوده الحكومة الفلسطينية أثبتت أن معظم الأفراد الغائبين فائض عن الحاجة.

أما ثاني الأسئلة التي يطرحا الباحث، أن تقديرات أولية تشير إلى أن مالا يقل عن 40% من القيمة الاسمية للمساعدات الغربية لقوات أمن حكومة فياض تذهب إلى النفقات التشغيلية للمانحين وأرباح الشركات والوكالات المتعاقدة والأجور واليوميات للمستشارين الأجانب.

وثالث التساؤلات التي يطرحها الصايغ "ما المبرر الذي يمكن تقديمه لاستبدال أو إخضاع وزارة الداخلية في غزة والتي تعمل كوزارة حقيقية وقادرة على تقديم الخدمات الفعالة بنظيرتها الفاشلة في الضفة الغربية؟ على حد تعبير الباحث.