غزة - الداخلية
لم تغب مشاهد الدم وأصوات الرصاص عن أجواء الفرح واللعب التي يحاول أطفال غزة من خلالها الهروب من واقع المعاناة التي نغصت حياتهم بفعل وحش اسمه "الاحتلال".
عالم من المرح غلبت عليه أصوات الأطفال وملابسهم الملونة بألوان الطيف، ولوحة جميلة بدوا فيها وكأنهم سرب من العصافير تغرد وترقص على نغمات الأناشيد التي كان يلقيها محمود وأصدقاؤه الأطفال.
لكن فجأة ودون أي سابق إنذار تبدلت النغمات العذبة بأصوات ضخمة وسكتت الضحكات، وحلت مكانها صرخات وآهات، ليسقط محمود شهيدًا غارقًا بدمائه التي أسالتها رصاصات جنود الاحتلال.
((آلام وآمال طفل))
وجد "محمود" في "مهرجان فلسطين للطفولة" طريقه للتعبير عن آلام الطفل الفلسطيني كما حبه للحياة وحاجته للأمان، فآثر هو وأصدقائه أن يرتدو اللون الكحلي ويلطخو وجوههم بألوان غامقة أخفت إلى حد ما ملامحهم، لينقلو للعالم عبر المسرح مشهد الحياة الحقيقي الذي يكابدونه في ظل الاحتلال.
وبدأت الأحد أولى فعاليات مهرجان فلسطين للطفولة والتربية على أرض الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية في مدينة غزة
، بمشاركة عدد من رياض الأطفال ومؤسسات المجتمع المحلي وبتمويل ورعاية عدد من المؤسسات الفلسطينية.
| أطفال يرتدون الثوب الفلسطيني خلال المهرجان |
يقول الطفل محمود (7 أعوام) في حديث لـ"صفا" معللا اختياره لهذا المشهد الذي تفاعل معه بقوة: "لأني كثيرا ما رأيت مثل هذه الصورة، ورأيت أولاد جيراننا يلعبون وقصفتهم الطائرات واستشهدوا حينها".
وتابع ببراءة "أنا أحب اللعب وهذا الاحتفال، وأحب أن أكون شهيدا ويحملني الناس كالذين شاهدتهم أيام القصف وعلى شاشة التلفاز، لأن كل أطفال فلسطين هكذا".
وتعزو الطفلة "لما" مشاركتها في المشهد بقولها: "الاحتلال لا يتركنا بحالنا وحتى حينما نأتي لنلعب ونفرح نتوقع أن تأتي الطائرات وتقصفنا مثل الأطفال الذين قتلوهم".
الإنسان الفلسطيني
وجمع الأطفال خلال المهرجان كل ما يتعلق بالإنسان الفلسطيني، من تراثه وعاداته وتقاليده وثوابته، ومقدساته ولجوئه وتمسكه بقضيته، والذي ظهر في طبيعة ملابس بعضهم والمشاهد والفقرات التي قدموها.
وعلى صوت العود والدف "لعلعت" أنشودة شدوا الهمة، وارتدت مجموعة من الزهرات
الثوب الفلسطيني وقابلها أطفال بالسراويل والحطات، ليجسدوا حياة الإنسان الفلسطيني وحبه لأرضه وتشبثه بزرعه ونبعه، وأمل اللاجيء بالعودة إلى داره التي هُجر منها.
| جانب من أفتتاح المهرجان |
وأبدت الطفلة إيمان المدلل فرحة بارتدائها الثوب الفلسطيني، وهي تقول: "هذه ملابس أجدادنا، وأنا فرحة لأنني أشارك في هذا المسرح أمام الناس وأقلد أجدادي أيام زمان".
وقدم الأطفال مجموعة من الأناشيد باللغتين العربية والإنجليزية، والتي نقلوا خلالها رسالة مفادها أنَّ الطفل الفلسطيني يحب الحياة ومن حقه أن يعيش بأمان ويتمتع بحقوقه كباقي أطفال العالم.
وما ميَّز المهرجان هذا العام أنَّ تقديمه وإدارته وتنظيمه وأداء فقراته على الوجه الأكمل جاءت من الأطفال أنفسهم، دون تدخل الكبار في ذلك.
تقول إحدى مربيات روضة "الأرض المقدسة" وتُدعى آمال: "الأطفال أبدعوا وتميزوا في مهرجانهم، وقدموه بصورة رائعة على طريقتهم الخاصة، وأرى أن هذا أجمل ما في الأمر، حتى غطى على وجودنا نحن الكبار".
مدعاة للفخر
وتضيف "هذا المهرجان مدعاة للفخر لأن أطفال غزة ينقلون خلاله أحلامهم ورسائلهم القوية للعالم، وفي نفس الوقت يتحدثون بلسان الشعب الفلسطيني، وينقلون للعالم معاناته وتمسكه بثوابته من خلال المشاهد التي يقدمونها".
وترعى المهرجان بشكل رئيس فرقة طيور الجنة التي تتمتع بشعبية كبيرة بين الأطفال، حيث دوت أناشيدها الخاصة بغزة وأطفالها داخل المهرجان، مما أثار تفاعل الأطفال والأهالي والطلبة.
وشمل الاحتفال العديد من الفقرات الفنية والاستعراضية التي أدتها مجموعات من الأطفال للتعبير عن حقّهم في الحياة الكريمة، إلى جانب افتتاح المعرض الذي شاركت فيه عدد من المؤسسات الإعلامية والثقافية.
كما شمل المهرجان معرضا ضم منتجات الطالبات من الوسائل التعليمية، والألعاب التربوية التي تم إنتاجها في معامل قسم العلوم التربوية بالكلية الجامعية.