الشهيد القائد أمير المنسي.. مهندسا في إدارة الأمن والسلامة

31 مارس/آذار 2011 الساعة . 10:53 ص   بتوقيت القدس

الدفاع المدني افتقد إنساناً طالما جاهد للتخفيف من معاناة أبناء شعبه

أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه لينعم في جنات الرحمن التي سبقه إليها قلبه الذي عشق الشهادة وتغنى بها، مر على هذه الدنيا كطيف خفيف الظل أحبه الجميع يلقي بظلاله الطيبة على قلوب أحبته لكنه سرعان ما رحل مقبلاً على رضا الله عز وجل، إنه أمير يوسف المنسي ذلك المهندس الذي عشق الجهاد وأخلص في مقاومة المحتل الصهيوني.

نشأة البطل

كانت العاصمة المصرية، القاهرة، أكبر مدن أرض الكنانة، وتحديدا في اليوم الثامن والعشرين من أبريل من العام ثلاثة وثمانين وتسعمائة وألف على موعد مع ميلاد أمير. وفي كنف أسرة ملتزمة آمنت بالله ربا، وجاهدت في تربية أبناءها على ذات النهج، لتنشئ أمير منشأ الفتى الطيب، فيتعلق قلبه بالمساجد منذ صغره، ويقبل على حفظ القرآن ويجد في طلبه، يكبر أمام أعين أهله وأحبابه، ويتوسم الكثيرين فيه خيرا ونبوءة تبشرهم بمواقف وآثار سيسجلها الفارس المظفر بمداد من دم ونور.

مراحل دراسته

على عجل دارت رحى مراحله التعليمية سريعا، كونه كان نابغة وذكيا، فكل من نظر له أحبه، فهو من يجذب الناظرين إليه بطريقة عفوية تجذب القلوب، هكذا عاش أمير، وقد كان بيننا أميرا فعلا، يدرس ويكد، يجتهد فيحصد ثمرة سنينه وعرق جبينه، ويتخرج من الثانوية العامة بمعدل 95.5% وهو ما أهله للالتحاق بالجامعة الإسلامية في كلية الهندسة، حيث تخصص في دراسة الهندسة المعمارية، وإلى جانب ذلك فقد كان نشيطا على صعيد العمل الطلابي في جامعته، وشهدت له الكتلة الإسلامية بمواقف الطالب العامل والمخلص الباذل، صاحب الهدف وواسع النظر.

هو المحبوب، كغيره من الشهداء، ولما كان بكر والديه، فقد حباه والده بشيء من الحب تميز به عن باقي إخوانه، ولأنه رقيق الحس مهذب المعاملة، كان بذلك قد نال رضا والديه، فهو الحاني على إخوته والعطوف عليهم، وجميعهم افتقده، ولكنه الواجب الأكبر منا جميعا، هكذا قولهم فأبشر بخير نزل يا من أنزل الله سكينته بفقدك في قلوب أهلك، سكينة تشبه تلك التي حلت ببشارة ميلادك، وإن كان بالشهادة ميلاد جديد.

في مسجده

اعتاد أمير على المشاركة في غالبية أنشطة مسجده القعقاع بن عمرو التميمي، هذا المسجد الذي كبر مع كل طوبة فيه، وصلى على كل سجادة فيه، ويشتاق إليه الآن، بل وتحن له الشيب قبل شباب المسجد، فقد اعتادوا عليه قمرا منيرا ساطعا، يعبر عليهم فيشرق لون الصفاء من وجهه فيستبشر الجميع بقدومه، واليوم تأذن شمسه للغروب تلوح وهي صاعدة لربها، يفتقده إخوانه في مسجده، وهو ابن الإخوان المسلمون، والنقيب في جماعة ستغمر العالم بعدل دينها وصدق وعدها لأمتها، يتخرج أبناؤها شهداء ومن بينهم أميرهم.

عمله في الدفاع المدني

وفي ميدان العمل الإنساني كان له أيضا بصمة، ما زال صداها منذ ذلك اليوم الذي التحق فيه في صفوف الدفاع المدني الفلسطيني، فعمل مهندسا في إدارة الأمن والسلامة، يقول الرائد م. وائل لولو مدير الإدارة "أذكر أمير منذ اليوم الأول لانتسابه لجهاز الدفاع المدني، ففي فبراير 2008 تم الإعلان عبر الصحف المحلية عن الحاجة لعدد من المهندسين والفنيين للعمل في إدارات الدفاع المدني، فتقدم أمير كغيره من المهندسين، فكان أحد الفائزين في مسابقة الاختيار والقبول للعمل كمهندس".

وأضاف "التحق أمير مع إخوانه الذين تم قبولهم وشرع بدورة مستجدين في علوم الدفاع المدني تدفعه همة المجاهدين، وكان أحد البارزين المتفوقين في تلك الدورة وتخرج بالمرتبة الأولى، والتحق مع زملائه في إدارة الأمن والسلامة".

عرف كأحد المتميزين في عمله، وسرعة اندماجه في العمل وتفاعله مع زملائه من خلال خلفه الدمث ورح الدعابة التي تميز بها، رغم ما كان يظهر عليه من حملة لأمانة الجهاد والمقاومة.

ويذكر يوم السبت السابع والعشرين من ديسمبر لعام ألفين وثمانمائة، أول أيام الحرب على قطاع غزة، كان على رأس عمله في مديرية الدفاع المدني فودع زملائه وذهب، مرّ أمير أمامهم كالنسمة العابرة، متجها إلى ربه، مقبلا غير مدبر.

وترجل الفارس

الشهيد أمير يوسف محمود المنسي، أمير المشتاقين للقاء الله، يتحرق شوقا لإخوانه الأحبة، لعماد المنسي، ووحيد الهمص، وسهيل الغصين، يترك الدنيا ويشده الحنين لأحبته، وكيف لشاب تتوفر أمامه ملذات الحياة الهانئة وتجتمع في يمينه كامل أسباب الراحة والدعة، كان يقدر على التنحي وأن يدع هذا الطريق لآخرين من المجاهدين، ولكنها نعم المورث.

بعد أيام مباركة، عاشها تحت ظلال "حرب الفرقان" التي دارت رحاها بين ثلة الحق وقوات العدو المهزوم، كان الموعد مع الشهادة، تحديدا في اليوم العاشر من يناير عام ألفين وتسعة ميلادية، نزلت الصواريخ الصهيونية على جسده الطائر وهو يسير في طريقه إلى عمله، لتتمزق أشلاؤه في سبيل الله ويلقى ربه مقبلا غير مدبر، وينال ما تمنى بعد طول رجاء وتوسل لله وبكاء، يغادرنا أمير، يغادر أهله وأحبابه وزملائه في الدفاع المدني، ويبتسم لأحبته قبيل نزوله قبره، وكأنه يعايرنا بحياتنا الدنيا، فقد ارتقى إلى العلا مقبلا عندما استهدفته طائرة استطلاع صهيونية بالقرب من مدرسة فلسطين غرب مدينة غزة.

وتمضي بنا الأيام، يا أمير المشتاقين، لكنها ساعات عمر واعدة، فيخلفك الله مولودا وسيما هو البكر لك (يوسف) في مؤشر إلهي على ديمومة حياة الجهاد، وكأنه يعاهد الله أن بعتك يا ربي نفسي وأسألك أن تقبل وتشتري، ولكنني في الدنيا تركت لك أمانة بأن ترعاها لتسير على ذات الضرب حتى ترضى.

فالشهادة حياة مستمرة لا تنقطع بجوار رب الأكوان العظيم المنان فالشهيد إخواني يخط بدمه أعظم الخطب يخط بدمه الدروس، إن قطرات الدم التي تسيل من الشهيد تقول للناس في كل زمان ومكان: إن حياتكم ودنياكم هذه جيفة دنياكم، لا تستحق الجري وراءها والتنافس عليها ولذا فليتوار محبو الحياة الدنيا خجلاً.