والد الشهيد بكى عليه فرحل إليه

الشهيد طارق الشناوي..هبّ ليطفئ اللهيب فكانت الشهادة في انتظاره

31 مارس/آذار 2011 الساعة . 10:53 ص   بتوقيت القدس

كتبت- فاطمة الزهراء دويك

"سلام إليك يا ولدي، كنت معنا بالأمس والآن رحلت" كلمات نطق بها أبو طارق سبعة عشر يوما بعد استشهاد فلذة كبده، يحدث صورته إلى أن عانقت روحه روح ولده في عليين.. لم يقبل جسده أن يعيش بلا روح فرحل إلى ربه راضيا ليلقى ولده الشهيد الذي نجح في امتحان الشدائد فنال أعظم جائزة، هب ليدفع لهيبا يلتهم الأطفال والنساء فكانت روحه هي الفداء.

الطفل الذكي

ولد طارق سليم خالد الشناوي في السادس من يوليو من العام 1980 في مدينة غزة، وينحدر أصله إلى مدينة يافا المحتلة، ترعرع الشهيد بين جنبات أسرته الملتزمة، فكان صفوة إخوانه، برزت عليه علامات الذكاء والنباهة، وجعلت منه أخلاقه طفلا وشابا محبوبا من الجميع.

سلك الشهيد طريق المساجد وتخرج منها بشهادة في سبيل الله تعالى، لم يحرص على الدنيا ولا متاعها بل باعها والله اشترى.

أما عن دراسته فقد درس شهيدنا البطل المرحلة الابتدائية في مدرسة الشاطئ حيث تفوق حاصلا على أعلى الدرجات بشهادة معلميه وأهله.

تعلقه بالمساجد

نشأ شهيدنا في حي النصر وكان من أبناء مسجد الإسراء، تزوج وأنجب مرح 8 سنوات، وبراء 6سنوات، وسليم سنتين، ومن ثم انتقل إلى منطقة الشيخ رضوان قبل عام ونصف لينضم إلى أسر مسجد الرضوان. فكان خير مثال للشاب المسلم المعتز بدينه ووطنه، يعمل خيرا في كل المجالات، ولا يترك طريقا للخير والحب في الله إلا سلكه.

شارك الشهيد رحمه الله في الكثير من نشاطات المسجد، فعمل في العمل الجماهيري والدعوي، وجلسات الذكر والتفسير، وكان يشرف على تربية الأخوة وتعليمهم في عدد من المراحل، فكان يضحي بجزء كبير من وقته لدعوته، وكان دائما يشعر بأنه مقصر ولم يقم بشيء للدين والدعوة.

الطالب المتميز

ومن مدرسة الكرمل في مدينة غزة تخرج من المرحلة الثانوية طالبا ملتزما منضبطا ذو خلق رفيع مع زملائه ومعلميه .

وعن استكمال مرحلته التعليمية تقول أم البراء زوجة الشهيد :" بعد أن أنهى دراسته الثانوية انتقل ليدرس في جامعة القدس المفتوحة تخصص برمجة كمبيوتر لكن ظروفه المادية الصعبة حالت دون استكمال دراسته فتوجه بعد ذلك لدراسة الشريعة في الجامعة الإسلامية".

وتقف أم البراء برهة وتتابع:" لإصابة صعبة في مقارعة العدو الصهيوني مطلع انتفاضة الأقصى توقف عن استكمال دراسته لكنه بعد فترة عاود دراسته في معهد العلوم الشرطية الذي أسسه الشهيد الوزير سعيد صيام ليحصل على دبلوم في العلوم الشرطية".

وأوضحت زوجة الشهيد انه لم يقف عند هذا الحد لكنه انضم إلى كلية الشرطة التي أسسها وزير الداخلية الأستاذ فتحي حماد لكنه حصل على شهادة من ربه أولا .

عاش للناس

تضيف زوجة الشهيد:" التحق زوجي "أبو البراء" بالعمل العسكري في الانتفاضة الأولى فكان شعلة من الإقدام والتضحية، وخلال انتفاضة الأقصى كان مجاهدا معطاءً فقد أصيب خلال عمله الجهادي مرات عديدة أهمها إصابته مع الشهيد نبيل عبد العال حيث انهارت إحدى الأنفاق عليهما وغاص تحت الرمال لكن عناية الله كانت الكفيلة بإخراجه حيا بإصابة بالغة".

وبحزن كبير تستذكر أم البراء إصابة أخرى لزوجها أثناء إحدى مهماته الجهادية حيث أصيب بشظايا من قصف صهيوني في كافة أنحاء جسده، كما أنه فقد جزءا من سمعه في إصابة أخرى.

وتابعت :"كان أبو البراء يحرص على الرباط في سبيل الله معتبرا أن الدنيا لا تساوي شيئا فكان يجهز نفسه ويودع أهله كل مرة لأنه موقنا بأنه ذات مرة لن يعود" .

وبينت الزوجة أن الشهيد تميز بأخلاق عالية حيث أنه كان يحرص على تفريج كربات الناس من حوله فان طرق بابه أحد بحاجة لمال يستدين ليفرج كرب من حوله فلم يعش لنفسه يوما إنما عاش للناس يزيل همومهم واستشهد وهو يفرج كربهم.

الشهيد الفنان

تقول أم طارق:"كان طارق نعم الابن خلقا ودينا ونشاطا فقد كان فنانا منذ طفولته تعلم الخياطة على يدي منذ نعومة أظفاره فأبدع فيها كان ينحت على  الشمع والخشب وينتج أبهى الأشكال وأروعها ".

وأكدت أم الشهيد أن طارق كان من المسارعين نحو المسجد وحلقات الذكر فقد كان يحب القرآن الكريم ودروس العلم بشغف

وتابعت والدموع تترقرق في عينيها:" كان شابا يحتذى بخلقه رجل بمعنى الكلمة نعتمد عليه في كل أمور حياتنا خاصة أنه كان في البداية وحيدا مع ست أخوات.

وأشارت الأم أن ابنها الشهيد عمل في مهنة الخياطة، وبعد أن تم تشكيل القوة التنفيذية، التحق الشهيد بها، فكان يعمل في شرطة الجوازات، ومن ثم انتقل إلى العمل في شرطة البلديات، بعد ذلك عمل في مركز العباس إلى أن عمل آخر حياته في الإدارة العامة للإمداد والتجهيز كحداد يؤدي عمله بكل إخلاص وإتقان، لا يحب الرقود أو الراحة، ولا يحب الجلوس على المكاتب يعمل في سبيل الله كي يوفر لقمة كريمة بالحلال لأبنائه.

سبعة عشر يوما ولحق بولده

وكانت الإدارة العامة للعلاقات العامة والإعلام قد أصدرت فيلما" وترجل البطل" يتناول جانبا من حياة الشهيد طارق ودوره البطولي في مشاركة أبناء الدفاع المدني في السيطرة على الحريق الهائل الذي نشب في منزل جيران الشهيد .

وقد تحدث أبو طارق خلال الفيلم عن ولده بحزن شديد فقد كان قد وصف ابنه بالالتزام والانضباط  وحبه للغير والدموع كانت مترقرقة في عينيه من شدة الألم .

تتابع أم طارق في هذا الإطار:"بعد استشهاد طارق مباشرة أصيب أبو طارق بجلطة حزنا عليه وتحسن، بعد سبعة عشر يوما من استشهاده نقل إلى المستشفى لوعكة شديدة ألمت به توفي على إثرها فرحل إلى ربه ليلقى ولده".

وتسكت الأم قليلا ثم تقول:" كان أبو طارق يحدث الصورة كل يوم يلقي السلام على طارق كما لو كان حيا فقد كان عزيزا على قلبه أكثر من أي أحد من إخوته".

أما محمد شقيق الشهيد فيقول :" علمني طارق الصلاة وكان دائما يحثني على الذهاب للمسجد والالتحاق بحلقات العلم فيه، كما كان يحثني على الدراسة فقد كان لي الأخ والأب والصديق فهو يكبرني بأربعة عشر عاما لذا فقد كان قدوتي في الحياة ".

أحبك أبي

وبعينين واسعتين وبابتسامة رقيقة تستعرض فرح ابنة الشهيد رسائلا خطتها بأناملها الصغيرة كانت قد كتبت فيها:" أحبك أبي لأنك علمتني القرآن الكريم "، أما ابنه براء ابن الست أعوام فقد طأطأ رأسه حزينا وقال:" أحب بابا، هو في الجنة الآن".

موعد مع الحور

تقول أم البراء :"كان طارق دوما يتمنى الشهادة ويطلبها ملحا من الله تعالى، ويهيئنا دوما ليوم شهادته، في آخر أيامه لاحظت زوجته علامات الفراق، فكان دائما يحدثها عن الشهادة، ويقول: "كم أتمنى أن أكون شهيدا ".

وتضيف:" كان يوصيني دائما بالأولاد ويقول لي احرصي عليهم وعلى تربيتهم إن غبت عنكم "

وأوضحت أم البراء أن طارق كان قد  استيقظ على صراخ الجيران الذي كان منزلهم المكون من أربعة طوابق عبارة عن كتلة من اللهب، حيث ذهب ونظر إلى النافذة فقال: "يا الله، كل هؤلاء الشباب ينظرون إلى الحريق ولا يفعلون شيء"، فما كان منه إلا أن نزل على الفور ودخل البيت المحترق وقام بمساعدة أفراد الدفاع المدني الذين جاءوا لإطفاء الحريق الضخم .

وأردفت أم البراء:" أثناء عملية الإنقاذ كنت أنظر من النافذة حين نزل طارق فقد أصيب رجل الإطفاء بتماس كهربائي جراء وصول المياه إلى الخط الرئيس ووصل التماس إلى يد طارق الذي يساند بها الإطفائي وتشنجت يده وأصبح ينادي الله أكبر الله اكبر وينطق بالشهادتين بصوت مرتفع سمعه جميع من كان في المكان وهو رافع أصبع السبابة.

وأوضحت أن  أفراد الدفاع المدني أحضروا الإسعاف بعدما تيقنوا أنه مصاب إصابة بالغة جدا إلى أن فارق الحياة وهو في طريق للمستشفى بعد إصابته بهبوط حاد بالقلب  جراء الصعقة الكهربية القاتلة .

وأخرج النساء والأطفال إلى الطابق العلوي لتجنيبهم الحريق، وأثناء قيامه بإنقاذهم أصيب بصعقة كهربائية، فاستشهد وهو يكبر ويردد الشهادتين كما قال من وجد في المكان.

ومضي الشهيد الفارس طارق إلى ربه عن عمر ناهز (28 عام) بعد حياةٍ حافلةٍ بالعطاء والجهاد والتضحية والرباط في سبيل الله في الرابع من نوفمبر لعام 2010.

أما أم طارق فقد تلقت الخبر بقلب صابر محتسب متيقن بشهادة ابنها نحسبه عند الله شهيدا ولا نزكي على الله أحدا .