الشهيد محمد خميس حبوش..خرج سبعة حافظين لكتاب الله قبيل استشهاده

31 مارس/آذار 2011 الساعة . 10:53 ص   بتوقيت القدس

كتب- شريف إبراهيم سمور

إنهم النجوم الساطعات التي يهتدي بها في حلكة الليل العربي والدولي البهيم، والأقمار المتلألئة التي منحت شعبنا وقضيتنا مكانا أصيلاً وموقعاً متميزاً بين الأمم والشعوب والحضارات، ووهبته النور المشرق الذي يشع بالخير والأمل والضياء ويهدي إلى سواء السبيل، سطع نجم من هذه النجوم في سماء غزة عندما أبصر النور شهيدنا الفارس المقدام محمد خميس حبوش في عام 1981م ليكبر محمد ويكبر معه عظم وشموخ ونبل عطائه، ليزرع في قلوب من بعده قيم الثبات والتواصل والصمود.

نشأة البطل

عرف المجد طريقه عندما شرفت الدنيا بمولد محمد خميس حبوش في الحادي عشر من يوليو من العام1981م، ليكبر ويترعرع في منطقة الرمال بغزة، في بيت متواضع بين أحضان أسرة مؤمنة صابرة ضاربة جذورها في أعماق الشريعة الإسلامية وتعاليم الدين الحنيف.

منذ نعومة أظافره عرف "محمد" طريق المسجد حق المعرفة، فالتزم بمعظم الصلوات في جماعة منذ صغره، كما عوده والده وحفزه على ريادتها لأنها طريق الفلاح والنجاح لكل إنسان، كان أول التزام للشهيد البطل في مسجد خالد بن الوليد القريب من منزل عائلته لتعرفه بعد ذلك كافة مساجد منطقة الرمال بنشاطه المميز وقدرته على بناء العلاقات الاجتماعية التي يتقنها القليل من أبناء جيله من الأطفال.

اكتسب شهيدنا البطل سمتا ميزه عن باقي أبناء جيله، حيث عرف عنه حب العطاء وتقديم الخدمة لمن يحتاج المساعدة، إضافة إلى طبيعته الهادئة المتزنة التي لا تغضب إلا لما يغضب الله، كما عرف عن الشهيد منذ صغره مساعدته لجارته العجوز الطاعنة في السن دون مقابل وكأنه احد أبنائها ويجلب لها كل ما تحتاج لتعتاش.

تزوج محمد من فتاه صاحبة عفة ودين، مؤمنة بقضاء الله وقدره، وأنجب منها طفلين وهم (عفاف وعبد الرحمن).

الطالب النجيب

تلقى الشهيد البطل تعليمه الابتدائي بمدرسة معروف الرصافي بحي الرمال، وتميز في تلك المرحلة الدراسية بذكائه الخارق وحصده أعلى الدرجات في شهاداته، وبعد إنهائه الدراسة الابتدائية انتقل محمد إلى مدرسة اليرموك بنفس الحي ليكمل بها الدراسة الإعدادية ليبدع في تلك المرحلة وينجز دراسته على أكمل وجه، وإلى جانب ذلك كان يشارك زملائه مقارعة الاحتلال وإلقاء الحجارة عليه خاصة في الانتفاضة الأولى.

أنهى الشهيد دراسته الإعدادية وعلاماته الدراسية لا تقل عن العلامات التي حصدها في المرحلة الابتدائية إضافة إلى تميزه بالرياضة وإبداعه في مجال كرة القدم وحصده الجوائز والبطولات في تلك المرحلة، لينهي بعدها دراسته الثانوية في عام 99م ويلتحق بالكلية الجامعية ويتخصص في مجال الدراسات الإسلامية، رغم إلحاح أهله عليه بأن يدرس تخصص آخر في العلوم النوعية ولكن النازع الديني بقلب محمد دفعه للإصرار على دراسة التخصص الديني، ليتخرج محمد من الكلية الجامعية بدرجة جيد جدا حاملا شهادته الدبلوم في الدراسات الإسلامية ومن ثم يلتحق ببرنامج البكالوريوس في الجامعة الإسلامية ليكمل الدراسة في نفس التخصص ويتخرج في العام 2005م.

لم يكتفي "محمد" بمراحله التعليمية التي سبقت، وسعى لدراسة الماجستير في الشريعة الإسلامية ليحوز على الشهادة العظمى بجوار ربه الذي اصطفاه الله شهيدا وهو يعد نفسه لدراسة الماجستير.

تميز شهيدنا "أبا عبد الرحمن" خلال دراسته الجامعية بنشاطه المنقطع النظير في المجال الرياضي والاجتماعي مما هيأه ليكون أحد أعضاء مجلس الطلاب في الجامعة الإسلامية والمسؤول عن اللجنة الرياضية، تخرج محمد من الجامعة الاسلامية بمعدل جيد جدا لدرجة البكالوريوس في الدراسات الاسلامية

رجل الدعوة والمساجد

أبدى الشهيد منذ بداية حياته حرصا شديداً على دينه، فكان ما يميزه عن الجميع جراءته في الحق واندفاعه وإخلاصه لله، حتى فاق كل أقرانه الذين التزموا بالمساجد قبله بسنوات، علما وأخلاقاً ومحافظةً على صلاة الجماعة خصوصاً صلاة الفجر، واقبل على كتاب الله اقبال العطشان للماء ، ولم تكن الفترة طويلة حتى اصبح النواة للدعوة في المنطقة التي كان يسكنها التي كانت تفتقر الى مثل محمد بجرئته وشجاعته نظرا لموقع  المنطقة وسط مربع امني للاجهزة الامنية العميلة المندحرة من غزة ،اشرف الشهيد على النشاط الرياضي بمسجد خالد بن الوليد وهو في السادسة عشر من عمره لاتقانه وحبه للرياضة الى جانب المامه بالعلوم الدينية والدعوية والتي زادت وتنامت اكثر فأكثر بعد ان تخصص بالدراسات الاسلامية في دراسته الجامعية ،وفي عام 1994م اختطف محمد من امام مسجد العباس من قبل الاجهزة الامنية العميلة وضرب وعذب لعدة اشهر وتم مساومته بالمال مقابل ترك العمل الدعوي ولكنه زاد حبا وتعلقا بالدعوة الى الله ،هذه العوامل وغيرها صقلت شخصية محمد وهيئته الى ان اعتلى محمد المنابر واخذ يدعو الناس الى الله بعد الانتهاء من الصلوات في المساجد المختلفة في المنطقة ، الى جانب ذلك اسس محمد مراكز تحفيظ القران في مسجدي خالد بن الوليد والعباس وتخرج على يده سبعة حافظين لكتاب الله قبل استشهاده باسابيع ،وتمت مكافئته من قبل وزارة الاوقاف وحصل على افضل محفظ لكتاب الله في منطقة غرب غزة بأسرها.

من صفات الشهيد

تميز الشهيد البطل محمد حبوش بحبه لجميع الناس حتى من كان يعلم أنهم يكنون له البغضاء والكره، فكان يكظم غيظه ويصافحهم ويبتسم في وجوههم، كما تميز بعطائه وإنفاقه مما يحب حيث كان كثير العزائم والإنفاق في سبيل الله، فتجد جل راتبه موزع على أهله وأمه رغم أنهم ميسوري الحال.

تمتع شهيدنا بعزة نفس المسلم واقتدى بالرسول الكريم وأصحابه بالإيثار على نفسه، فعندما كان مسئولاً عن اللجنة الاجتماعية بمنطقته، لم يذكر انه أعطى أحدا من أهله شيء، وعندما علم في احد الأيام انه له أخ يمر بضائقة مالية فأخذ من راتبه وجمع من إخوانه مبلغاً من المال واشترى بها مواد غذائية ووضعها باب منزل أخيه دون أن يعلم، أضف إلى جانب تأدبه في معاملة الناس وتواضعه وحبه للصغار وعطفه عليهم وصلة الأرحام التي كانت سمة من سماته منذ طفولته، والابتسامة المرتسمة على وجهه في كل الظروف التي كانت تسعد من يشاهده، وكان همه الأكبر تحرير القدس وفلسطين وان يرأب الصدع الفلسطيني وان تتم المصالحة على أسس الدين.

رجل بألف رجل

لم يكن محمد رجل عادياً، فكان في ظاهره تلك الشخصية الهادئة المتزنة التي لم تفارقها الابتسامة الجميلة ولم يرسم عليها الغضب والعبس ليوم من الأيام، ولكن في باطنها عنفوان المسلم الثائر وبركان الحق المتدفق في وجه الباطل الذي لا يخشى في الله لومة لائم، بعد الإعلان عن تشكيل القوة التنفيذية في عهد الشهيد وزير الداخلية السابق سعيد صيام، سارع الشهيد بالانضمام لها رغم محاولة أهله منعه من الالتحاق بها بسبب موقع سكنهم وسط مربع أجهزة فتح الأمنية التي كانت تكيل العداء لكل ما هو مسلم وينتمي للقوة التنفيذية والتي كانت النواة لتشكيل أجهزة أمنية فلسطينية نابعة من رحم المقاومة بعيدة عن الارتباطات الأمنية بالعدو الصهيوني.

حمل "محمد" سلاحه وراح ضاربا على أيدي المنفلتين والخارجين عن القانون ليحقق لأبناء شعبه حلمهم في تحقيق الأمن والاستقرار وفرض القانون الذي سلب منهم لعشرات السنين، ولا يأبه لما يحيط به من أهوال وأخطار ومكائد تدبر له في الليل والنهار من قبل عملاء الاحتلال من أبناء حركة فتح وتهجمهم على منزل أهله وتهديدهم بحرق المنزل وقتل أهله لا لشيء إلا لأنه يدافع عن القانون ويرجع للمظلومين حقوقهم المسلوبة من خلال عمله بتلك القوة، وعندما اشتدت الأزمة واشتعلت نار الفتنة في قطاع غزة وأصبح القتل على اللحية وإطلاق النار على أقدام الشرفاء من أبناء الشعب وإغلاق الطرقات واعتلاء الأبراج من قبل قناصة تلك الأجهزة، واغتيل رفاق دربه مازن عجور وأمين عبود من قبل أجهزة فتح، اغتاظ محمد غيضا كبقية المخلصين من أبناء الشعب الفلسطيني  فثارة به ثائرة الانتقام لدين الله الذي حورب في تلك المرحلة وجهز نفسه واخذ موقعا متقدما في منطقته رغم خطورة المكان، ولكن كانت بمثابة الخنجر بقلب الأجهزة العميلة، وكانت البوابة لعبور المجاهدين من أبناء القوة التنفيذية للإجهاز على ذلك المربع الأمني الذي قتل وسفك الدماء من أبناء الشعب الفلسطيني.

شاهدت والدته ما يقارب أربعمائة رجل من القوة التنفيذية يتمترسون في الموقع الذي اتخذه الشهيد، وبعد الانتهاء من المعركة سألته أمه، كيف استطاع هذا العدد العبور إلى المكان؟ فأقسم انه لم يكن برفقته إلا ثلاث أشخاص من مجموعته في المنطقة.

وارجع الشهيد الفضل إلى الله عز وجل وقدراتهم العسكرية الفائقة في المواجهة، وبعد اندحار تلك الأجهزة من غزة شارك محمد إخوانه في بناء أجهزة أمنية متكاملة ودوائر شرطية حتى تمارس عملها على أكمل وجه، وعين الشهيد البطل في جهاز الشرطة القضائية برتبة ملازم كمسئول مالي لخبرته في هذا المجال ومن ثم التحق بدورة الضباط ليستشهد ويحصل على أعلى شهادة عند الله عز وجل.

إيحاءات الشهادة

روى والد الشهيد أن تصرفات ابنه اختلفت في آخر أسبوعين من حياته، فأصبح يقضي جل وقته في المسجد صلاة وقيام في الليل والنهار وفي بعض الأحيان يضطر والده لمكالمته على الجوال ليطفئ نار الاشتياق إليه، وقال والده: "عندما سألته عن سبب خلوته بالمسجد وابتعاده عن البيت، قال: أنا على يقين باقتراب موعد الشهادة التي طالما انتظرتها وسلكت كل طريق تؤدي إليها".

ويستذكر والد شهيدنا المقدام "محمد" أنه كان دائم الدعاء بأن يرزقه بذكر ويسميه عبد الرحمن حتى يحمل اسمه بعد رحيله، وقد أبره الله ورزقه عبد الرحمن قبل استشهاده بشهر تقريبا.

أزفت ساعة الشهادة

كتب الله لشهيدنا "أبا عبد الرحمن" أن يترجل عن جواده، وان يلتحق بمن أحب من رفقاء دربه، في جنات خلد عند عزيز مقتدر بتاريخ 27/12/2008 في القصف الصهيوني الغادر على مركز شرطة العباس بعد أن هب ليسعف زملائه من الشرطة الذين تعرضوا للقصف الغادر ف سقط مدرجا بدمائه الطاهرة  ليطوي بتاريخ استشهاده صفحة من صفحات المجد كان بطلها بعز وفخار.