القادة الشهداء في حرب الفرقان .. صدقوا الله فصدقهم وعده
في اللحظات الأخيرة!!! الشهيد جبر: اللهم وحدنا على قلب رجل واحد
الشهيد الجعبري: "إحنا مش مطولين"
غزة/الداخلية/فاطمة الزهراء الدويك
قادة نجحوا في امتحانات الرجال، فدافعوا عن وطنهم بكل ما أوتو من قوة، تحدوا الشدائد فنجح كلٌ في موقعه حتى لقوا الله مخلصين في عملهم، مقبلين غير مدبرين، ليمثلوا لنا نماذج حية من العطاء والتضحية في سبيل الله ثم الوطن.
وفي هذا التقرير تستعرض صحيفة "الداخلية" لحظات خالدة في حياة بعض قادة الداخلية الذين ارتقوا في حرب الفرقان وهم على رأس عملهم، غير مبالين بالتهديدات الصهيونية المتواصلة باغتيالهم وتدمير مقراتهم، مسلطة الضوء على المواقف البطولية في آخر حياتهم المليئة بالعطاء.
مدرسة عظيمة
فلا أحد يستطيع إغفال دور الشهيد اللواء توفيق جبر قائد جهاز الشرطة الفلسطينية والذي استشهد وهو على رأس عمله محاولاً إنقاذ أبنائه في جهاز الشرطة إلى أن باغتته صواريخ غادرة فاغتالته وهو في الميدان.
يقول ملازم أول شريف المدهون سكرتير الشهيد توفيق جبر لـ"الداخلية": "لازمت الشهيد توفيق جبر فترة من الزمن، فكان مدرسة عظيمة في الأخلاق، حريصاً على مساعدة أي أحد في أي أمر كان قادرا عليه، يحب العمل ويقدر العاملين".
وتابع المدهون: "الشهيد جبر كان دائماً يردد بأنه مشروع شهادة، فقد شاهدته قبل جريمة السابع والعشرين من ديسمبر بنصف ساعة حيث كان يعد أحد التعميمات المذكور فيها ثمانية عشر بنداً عبارة عن تعليمات أمنية لأمر كان يتوقعه، فقد كان يمتلك رؤية للأمور بسبب خبرته الأمنية الطويلة".
وأضاف: "أبرز ما أذكره في ذلك التعميم أنه اختتم حديثه فيه بقوله: اللهم وحدنا على قلب رجل واحد، بعدها حدث القصف فنزلنا معاً وكان هناك دورة عسكرية في المكان ورأيت الدخان والنار فنزلنا على سلم المبنى".
وأردف المدهون: "كنا قد توقعنا أن يكون أكثر من خمسين شهيداً، فهرعت برفقة بعض الزملاء لإحضار سيارات من الشارع لنقل الجرحى والشهداء، في حين كان الشهيد توفيق يتفقد الجرحى لإخلائهم من المكان، وليؤمن من نجى، لكن طائرات العدو استهدفته عن طريق جهاز الجوال الذي كان بحوزته وهو يوجه تعليماته من خلاله".
المقدم جميل الدهشان يقول متأثراً: "لقد كان اللقاء الأخير بيني وبينه يوم استشهاده قصيراً، لكني لاحظت عليه الابتسامة طوال فترة اللقاء, كنت لحظتها أشعر أنه يسابق الزمن من شدة نشاطه ولم أعلم عندها أن لقاءه بربه بات وشيكاً, لنفقد قائدا مميزا ومعلماً ناجحاً، نرجو الله أن يجمعنا به في مستقر رحمته”.
اعتدال وتوسط
أما المقدم عبد الباسط المصري مدير عام المباحث العامة، فيقول: "كان دائماً يحثني وكافة العاملين بالمباحث على الالتزام بالقانون والنظام والستر ما أمكن خاصة في القضايا الحساسة, فقد كان يتميز بميله للوسطية والاعتدال في قراراته، علاوة على تميزه بالأناة والحلم وطول النفس خصوصاً في التعامل مع قادة وضباط وجنود الشرطة, وكان حازما خاصة فيما يمس أمن المواطن وهيبة الشرطي".
وتحدث المصري عن آخر زيارة قام بها الشهيد جبر لإدارة المباحث, حيث أوضح أنها كانت برفقة الشهيد الوزير سعيد صيام قبل ثلاثة أيام من الحرب، وقاما معاً بجولة تفقدية في كافة إدارات الشرطة واطّلعا على سير العمل فيها، لم نكن نعلم أن تلك هي الجولة التفقدية الأخيرة لهما".
ويضيف المصري، قائلاً: "بعد مغادرة الشهيد أبو مصعب رحمه الله فوجئنا بعدم مغادرة الشهيد توفيق جبر الذي بقي معنا في الإدارة طالبا منا التقاط صوراً تذكارية له مع كافة العاملين في الإدارة وكأنه كان يودعنا".
اليوم الأخير
وبالانتقال سريعا إلى الشهيد المقدم محمد الأشقر نائب مدير عام جهاز الأمن والحماية، تقول زوجته: "كان أبو عمرو يردد دائما: اللهم ارزقني الشهادة، لا أريد الموت في فراشي، حتى نال الشهادة في ذلك اليوم".
وتتابع بكل حزن: "لقد ترك فراغا كبيراً في حياتي فقد كان نعم الزوج ونعم الأب تربطه علاقة قوية بي وبأولاده مقتديا بذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "خيركم خيركم لأهله".
أما عن نبأ الاستشهاد فتقول: "كنت أحس أن محمد سيرحل قريباً، لكن حين وصلنا النبأ صبرت واحتسبت لأنه نال ما تمنى".
في حين أردفت والدة الشهيد باكية حرقة على ولدها الذي راح ضحية القصف الصهيوني: "في يوم الشهادة ارتدى زيه العسكري وتعطر برائحة زكية وقبلني وقبل أبناءه وكأنه يودعنا فأحسست أنه اليوم الأخير ثم خرج إلى عمله وحدث ما حدث"، موضحة أنها تقبلت نبأ شهادته بقولها حسبي الله ونعم الوكيل.
في حين أكد صديق الشهيد النقيب الأشقر النقيب أحمد الخطيب مدير العمليات في جهاز الأمن والحماية، أنه في اليوم الأول من حرب الفرقان "كان لنا اجتماع في مقر الأمن والحماية وكان الشهيد محمد الأشقر ضمن الأفراد الموجودين، لينال ما كان يتمنى دائما الاستشهاد في سبيل الله".
وأضاف وهو يحدثنا عن آخر موقف في حياة شهيدنا: "أذكر أن والدته طلبت منه أن يبقى في بيتها لرؤيته، ولكنه أبى وخرج لإنجاز مهامه على أكمل وجه، وخدمة لوطنه ودينه، وتلهفا منه للقاء ربه، وكأنه كان يعلم أن لقاءه بربه بات وشيكاً".
أمنية بالشهادة
أما الشهيد العقيد إسماعيل الجعبري مدير عام جهاز الأمن والحماية فيصفه شقيقه الأكبر أيمن، قائلاً: "لم يكن يخاف من أحد سوى الله عز وجل، وعندما يقول له أحد أن الوضع خطير يرد بكلمته المشهورة: ما بشيل الرأس إلا اللي وضعها".
ويضيف أيمن: "كان أبو حمزة رحمه الله يقدم الخدمة للجميع ولا يرد طلباً لأحد، ولكن في حدود القانون وبشكل لا يتعارض مع الدين الإسلامي الحنيف"، مشيرا إلى أنه في ليلة الجمعة التي سبقت يوم استشهاده كانت علامات الابتسامة والضحك على وجهه ظاهرة وواضحة و"كأنه سينال ما كان يتمنى دائماً، الشهادة في سبيل الله"
وأوضح أيمن أنه في أحد ليالي رمضان دار حديث بينهما أثناء قيامهما الليل في أحد المساجد بمدينة خانيونس، قال فيه الشهيد أبو حمزة: أنا تعبت وأطلب من الله عز وجل أن يتقبلني شهيدا وأن يتقبل عملي ويختم لي بالشهادة.
وأشار شقيق الشهيد الجعبري إلى أن شهيدنا كان يدعو دائما "بأن يتحرر المسجد الأقصى وفلسطين وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس".
النقيب ياسر شاهين يذكر أنه قال للشهيد إسماعيل يوم استشهاده: "يا أبو حمزة الوضع كرب" بالإشارة إلى خطورة الوضع الأمني فقال لي: "إحنا مش مطولين" وكأنه أحس بقرب ساعة الفراق".
أزف الرحيل
أما الشهيد النقيب فارس العشي مدير دائرة هندسة المتفجرات في الشرطة فيحدثنا شقيقه محمد عن أخيه فارس في آخر أيامه، قائلاً: "كان هناك العديد من الإرهاصات التي بشرت بقرب موعد استشهاده رحمه الله، أبرزها ليلة استشهاده سهر مع أفراد عائلته قائلا:" يبدو أن الرحيل قد أزف"، وابتسم وضحك، وفي صبيحة يوم السبت 27/12/2008 كان رحمه الله مريض ومجاز، ولكنه آثر أن ينطلق إلى عمله لينجز خطة طوارئ كان قد أعدها لهذا الغرض، ليفاجأ الجميع بدوامه فأخبروه بأنهم سيتم إخلاء المبنى بعد لحظات، وأثناء ذلك بدأت العملية العسكرية وقد نجح هو والأفراد بالخروج من مقر الجوازات ولكنه علم بوجود أحد الأفراد بالداخل فعاد وأخرج أمانة كانت بحوزته لأحد أقاربه وعندما هم بركوب سيارته لمغادرة الجوازات أصيب بشظية في رأسه، فسقط على الأرض مضرجا بدمائه، وتم نقله بعدها إلى مستشفى الشفاء".
ويتابع محمد: "بعد استشهاده رحمه الله تم دفنه في قبر جده رحمه الله، وبعد استشهاده بفترة نبتت شجيرات من السدر خرجت من أنحاء متفرقة من قبره رحمه الله، ورآه العشرات في العديد من الرؤى الصالحة من أقاربه وأصحابه وأصدقائه وبعض الغرباء، رأوه في رؤى صالحة تدلل على النعيم والكرامة التي مني بها بعد استشهاده رحمه الله، ووهبه الله غلاما بعد سبعة أشهر من استشهاده سمي على اسم والده واسم الحرب (فارس الفرقان).