في الذكرى الثانية لمعركة الفرقان

"صيام" أول "وزير داخلية" يستشهد في العالم !!

2 يناير/كانون الأول 2011 الساعة . 04:45 م   بتوقيت القدس

الوزير صيام في لحظاته الأخيرة .. بلغت خمسون عاماً وأنتظر لقاء الله

غزة / الداخلية

لم يخطر على بال الجماهير العربية والإسلامية في مختلف دول العالم أن يتبادر على أذهانهم في أحد الأيام استشهاد وزير داخلية في حكومة عربية.

ويعد منصب وزير الداخلية في المنطقة العربية من المناصب المكروهة شعبياً بسبب أساليب القمع والاستبداد التي تمارسها، لكن في غزة حكاية أخرى فريدة ونادرة في وطننا العربي المقهور شعوبه دائماً حيث اختير وزير الداخلية الفلسطيني بعد انتخابات نزيهة وبإرادة شعبية وكان لافتاً ذلك الرجل سعيد صيام.

في قطاع غزة وفي الذكرى الثانية لمعركة الفرقان التي ارتكب فيها الاحتلال الصهيوني مجازر ضد الإنسانية ودمر فترة تواصلها طيلة 22 يوماً الحجر والشجر وقتل البشر ولم  تفرق صواريخه بين قائد ومواطن عادي أو بين شيخ وطفل رضيع في أحضان والدته.

غارة غاشمة

إنه سعيد صيام، وزير الداخلية في الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة، الذي استشهد هو وابنه وشقيقه في غارة إسرائيلية غاشمة، حينما قصفت طائرات حربية صهيونية من طراز "إف 16" منزل شقيقه الكائن في حي اليرموك بمدينة غزة.

لأول مرة في العالم العربي والإسلامي تحدث أن يرتقي وزير داخلية خلال حرب شنها العدو الصهيوني بعد خمسون عاماً من سنوات حياته مزج فيها بين الجانب السياسي والعسكري، رفض في ختامها أن يخرج من بيته واللجوء إلى مخبأ رغم اشتداد القصف وضراوته لينال ما تمنى.

أبو مصعب .. المقاتل الهادئ هكذا يصفه الكثيرون بالثقة بالنفس ويجمعون على أن هدوءه يكمن في سر قوته الصارمة التي تمثلت في "الكاريزما" القوية التي أهلته لمنصب أول وزير داخلية في الحكومة الفلسطينية العاشرة التي شكلتها حركة حماس فور فوزها في الانتخابات التشريعية مطلع العام 2006 والتي حاز خلالها على أعلى أصوات الناخبين الفلسطينيين في الضفة والقطاع بنسبة 70 ألف صوت في دائرته.

ولد الشهيد صيام، في الثاني والعشرين من تموز (يوليو) 1959، وتعود أصوله إلى قرية "الجورة" قرب مدينة عسقلان المحتلة عام 1948م التي هجرت أسرته منها واستقرت في مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين غرب مدينة غزة.

واصل "أبو مصعب" مسيرته التعليمية وتخرج من دار المعلمين برام الله مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، حصل خلالها على دبلوم تدريس العلوم والرياضيات، ثم أكمل دراسته الجامعية في جامعة القدس المفتوحة بغزة وحصل على بكالوريوس في التربية الإسلامية عمل بعدها مدرساً في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأنروا" بغزة حتى نهاية 2003.

"كان نعم الزوج والأب المحب الحنون"، بهذه الكلمات القصيرة تصف أم مصعب زوجها الشهيد، موضحةً أنه رغم الهموم والأعباء التي حملها طيلة مسيرته إلا أنه لم ينشغل عن أهله وأبناءه وبيته.

وتقول:"صحيح أننا تأثرنا باستشهاده لكن كانت هذه أمنيته وقدر الله وما شاء فعل والحمد لله رب العالمين الذي شرفنا باستشهاده بعد أن تعلمنا منه الصبر والثبات".

وتشير أم مصعب إلى أن الشهيد الوزير كان يشعر بالهم والحزن الدائم بسبب الانتهاكات الصهيونية المستمرة على شعبنا الفلسطيني.

من ناحيته، أكد "مصعب" نجل الشهيد أن ثقافة الشهادة سيطرت عليه بشكل غريب قبل استشهاده بأيام، وقال :"كان يحدثني عن خططه لما بعد الحرب وإعادة بناء ما تم تدميره من مقرات أمنية ومراكز شرطية".

ويصف مصعب والده الشهيد بقوله :"كان صامتاً في شخصيته قليل الأفعال ويحرص على قراءة القرآن وصلاة الفجر وقيام الليل وكان حريصاً ورحيماً وحنوناً على إخوانه وجيرانه".

فيما يؤكد إبراهيم صلاح مدير مكتب الوزير صيام أنه كان من الشخصيات القليلة النادرة في المجتمع الفلسطيني التي تتمتع بحكمة واسعة وإرادة صلبة، وقال :"كان مثالاً في كل شئ سواء على المستوى المهني عبر إدارة الأزمات وإدارة الوزارة بكافة أقسامها".

وأشار صلاح في حديث لصحيفة "الداخلية" إلى أن الشهيد الوزير سعيد صيام عمل على استيعاب الجميع في تواضعه، مبيناً أنه تواصل مع أبناء شعبه في كل الميادين والمهمات، مضيفاً "كانت مهمته وزارة الداخلية لكن ذلك لم يمنعه أن يكون رقيقاً في معاملته".

وأوضح أن حياة الشهيد "أبو مصعب" كانت دوماً حافلة بالعمل ليل نهار، مستذكراً آخر اللحظات التي التقى بها الوزير صيام قبل شن الاحتلال الصهيوني للحرب على غزة بقوله :"كان في هذا اليوم ملئ بالحيوية والنشاط والعمل رغم انه كان يشكو من آلام في ظهره وقال لي حينها بلغت خمسون عاماً وأنتظر لقاء الله".

شخصية قوية

"الشهيد سعيد صيام.. لم أره يبكي ولا مرة في حياتي، رغم العشرة الطويلة التي جمعتنا.. كان شخصية قوية إلا أنه لم يتمالك نفسه أمام تكبيرات وزغاريد الجزائريات والجزائريين وهم يستقبلونه بعين الدفلى بالجزائر، حيث بكى لأول مرة.. عبارات وصف بها خالد أبو حذيفة رفيق درب وزير الداخلية الشهيد "سعيد صيام".

وقال صيام حينها بكلمات وجهها لمستقبليه بالجزائر :"إن هذه التكبيرات والزغاريد تعبر عن أصدق شعور أحسست به من شعب عربي اتجاه القضية الفلسطينية".

رفض الوزير صيام أن يخرج من منزل شقيقه "إياد" واللجوء إلى مخبأ، وبقى ثابتاً ومتماسكاً، متمنيا الاستشهاد وآخر ما أوصاه به قبل استشهاده "تقوى الله هي مفتاح النصر وسبيلنا في مواجهة العدوان.. ولن أختبئ في الجحور، لأنني مقاوم قبل كل شيء وسأحمي ظهر المقاومة.. ولن أترك أهل غزة لوحدهم، فما سيعانونه سأعانيه معهم"، هذه كانت آخر كلمات الشهيد "أبو مصعب".