الضربة الأولى.. حرب غزة

22 ديسمبر/كانون الأول 2010 الساعة . 08:32 ص   بتوقيت القدس

بقلم- هنادي نصرالله

هكذا تمضي الأيامُ؛ لأجدَ نفسي مذهولةًً ، أسيرةَ ذكرى مؤلمةٍ ، طبعتْ في مخيَّلتي رائحةَ الدماءِ وأناتِ الفِراقِ ومشاهدَ الأشلاءِ المتناثرةِ هنا وهناك...

هكذا تمضي الحياةُ، لأُغمضَ عينيَّ وأفتحَهما على وجعِ الذكرى الأولى لحربِ غزةَ المشئومة، التي سحقتْ أكثرَ من ألفٍ وخمسِمائةِ شهيد، وحوّلتْ منازلَ المحاصَرين إلى سرابٍ وخراب، أمّا مراكزَ سيادتِهم ممثلةً بوزاراتِهم ومقراتِهِمُ الأمنيةِ والشرطيةِ عدا عن مجلسهِمُ التشريعيِّ فقد أصبحتْ أثرًا بعدَ عين...!!

والعشرينَ من شهرِ ديسمبر كانونِ الأولِ من عامِ ألفين وثمانية، مشهدٌ أذهلنا جميعًا إذ كيف لمقراتٍ أمنيةٍ تحفظُ أمنَ مليونِ ونصفِ مليونِ محاصَرٍ برًا وبحرًا وجوًا أنْ تُسحَقَ عن وجهِ الأرضِ بسرعةٍ مذهلةٍ وقوةٍ همجيّةٍ؟!، فيما تُزهَقُ أرواحُ من فيها، دونَ مراعاةٍ لجنسِهِم أو وضعِهمُ الاجتماعيّ؟!؛ فقد راحَ ضحيةَ الضرباتِ الجويةِ الغادرةِ على المواقعِ الأمنيةِ والشرطيةِ مائتان واثنان وثلاثون شرطياً على رأسِهم مديرُ عامِ الشرطةِ اللواءُ توفيق جبر ـ رحمه الله ـ وبعدَهُ بأسبوعينِ تقريبًا وزيرُ الداخليةِ والأمنِ الوطنيِّ الشهيد " سعيد صيام " حيثُ استُهدِفَ بينما كان يزاولُ عملَهُ من بيتِ أحدِ أقربائِه..

فيما لم تسلمِْ المرأةُ والأمُّ، إذ ودّعتْ الشرطةُ النسائيةُ في ذاتِ الغارةِ ـ الضربةِ الأولى ـ الشهيدتينِ" نازك أبو ريَّة " وهدى النجار" وكلتا الشهيدتينِ كانتا تحملانِ في أحشائهما جنينين،في سابقةٍ هي الأولى من نوعِها في تاريخِ العالمِ المتحضِّرِ الذي يتشدّقُ بحقوقِ المرأةِ والإنسانِ، إذ كيفَ بأمٍ تحفظُ أمنَ ونظامَ شعبِها، وتحرسُ جنينًا في بطنِها ، أنْ تُقتلَ بدمٍ باردٍ، وتُصبحَ أشلاءَ؟!! فتختلطَ دماؤها بدماءِ زملائها من رجالِ الشرطةِ في مقرِّ منتدى الرئاسةِ بغزة، الذي لم يشفعْ له بناؤهُ الحديثُ وسُمْكُ تشييدِه من الانهيارِ أمامَ قوةِ القصفِ الإسرائيليِّ الجُنونيّ، هي قمةُ العطاءِ الفلسطينيِِّ التي تقابلُها قمةُ الحُمقِ والجُرمِ الإسرائيليِّ، فقد استُشهِدتْ" نازك" وهي تضعُ رأسَها على مكتبِها وتحلُم، وعندما جاءتْ إحدى زميلاتِها في الشرطةِ لتوقظَها، طلبتْ ببراءةِ الأمِّ الحنونِ" دعيني أُكمِلُ الحُلُمَ " لكنّ الاحتلالَ لم يمهلْها بل قتلَها وقتلَ جنينَها و الحلُمَ الجميلَ معها !!

(انقضى اليومُ الأولُ للحرب ِ، ولم نكنْ نعلمُ أننا أمامَ حربٍ ستستمرُ أسابيعَ طويلةً، وكأنها دهور؛ فكلُّ لحظةٍ كانت تمرُّ علينا، تُفجعُنا برحيلِ حبيبٍ أو قريبٍ أو صديقٍ عزيز)

واقعٌ عاشته الشرطةُ الفلسطينيةُ ومحبّوها الذين جاؤوا ليدعموها بأشعارِهم ونشيدِهم؛ " فصهيب عبد العال" الذي طالما أنشدّ لغزةَ الجريحةِ" وبصوتهِ الشجيِّ، صاحَ بتحدٍ " يا غزة هُزِّي القهر بعد الصبرِ ييجي النصر " كان أيضًا من ضحايا الضربةِ الأولى لحربِ غزةَ الأليمة..

نعمْ..رحلَ "صهيبُ " وثلةٌ من رفاقِه المنشدِينَ... رحلوا ولم يكونوا يعلمونَ أبدًا أنَّ أصواتَهم العذبةَ التي قاوموا بها الاحتلالَ،هي ذاتُها التي ستقودُهم إلى الشهادةِ كيف لا؟ وقد ارتقَوا بينما كانوا يستعدّونَ لإحياءِ حفلِ تخريجٍ لدورةِ ضباطٍ في مقرِّ الجوازاتِ بغزة...

فانقلبَ الحفلُ قبلَ أنْ يبدأَ، وسالتْ دماءُ المشجِّعينَ والمحتفلِينَ، وتخرّجَ ضباطُ الدورةِ إلى الفردوسِ الأعلى؛ بعدما صدقوا اللهَ في التحاقِهم بسلكِ الشرطةِ الفلسطينيةِ؛ فكانتْ أولى ثمارِ أعمالِهم شهادةً في سبيلِ الله؛ مشاهدُ انفطرَ القلبُ لهولِها، فلأولِ مرةٍ في تاريخِ عملي الصِحفيّ أرى شبابًا في عُمُرِ الورودِ يبكونَ للهِ، يرفعونَ أُصبُعَ السبّابةِ ويُوحِّدونَه غيرَ مبالينَ بدمائهم النازفةِ، لأولِ مرةٍ أرى البشاعةَ والقتلَ بأقسى صُوَرِه، لأولِ مرةٍ أرى الأمومةَ تحترقُ ، فتلكَ لم يمضِ على زواجِ نجلِها أيامٌ، وأخرى كانتْ قد عُقِدَ قِرانُها حديثًا، لكنّ " الخطيبَ" سالتْ دماؤهُ فكان نصيبُه الحورَ العين، وثالثةٌ تعتّصرُ ألمًا وتزغردُ " حبيبُ قلبي " تقطّعَ ولم أرَ جسدَهُ حتى الآن، أينَ هو؟ تحتَ الرمادِ و الركام؟ في أيِِّ زاويةٍ يقبعُ.. أخبروني ؟ وارحموا قلبَ أمٍ يتقطّع !!

ألمٌ أسرفَ الاحتلالُ في شِدتِه وقسوتِه، فقد امتلأتْ المشافي بالشهداءِ، وغصّتْ بالجرحى، فالأسِرَّةُ لا تكفي ولا والدواءُ ، والأطباءُ غيرُ قادرينَ على استيعابِ الصدمةِ والعددِ، ومع هذا تمادى الغاصبُ في إجرامِه فقُصِفتْ مقراتُ الدفاعِ المدنيِّ التي كانت تُخلي الجرحى وتُطفىءُ الحرائقَ ؛ في مسعىً تعمّدَ الأعداءُ من خلالِه إلى قطعِ كلِّ شريانٍ قد يمُدُّ غزةَ النازفةَ بالحياة !!

كلُّ الأسرِ الفلسطينيةِ في القطاعِ المحاصَرِ والمنكوبِ، اهتزتْ لهذا الحادثِ الجللِ، غزةُ انتفضتْ ، احترقتْ ، بكتْ بكاءَ الصغارِ، ومعَ هذا تسلّحتْ بالصبرِ، وعيناها تحذَرُ من الغدِ القادِم، حذرٌ ازدادَ معَ انقطاعِ الكهرباءِ وإحكامِ الإحتلالِ لحصارِه للقطاع، ومنعِه للطواقمِ الصحفيةِ الأجنبيةِ من دخولِه، بل وإحجامِه عن تزويدِ المحاصَرينَ بالوَقود، إضافةً إلى إغلاقِ معبرِ رفح الحدوديّ وإعاقةِ المساعداتِ لاسيّما الأدويةُ منها على الجانبِ المصريِّ من المعبر، صورةٌ داميةٌ جعلتنا جميعًا نضعُ أيدينا على قلوبِِنا، ما الذي يحدث ؟

وأيُّ جريمةٍ تلك التي ارتُكبتْ بحقِنا؟ وأي مجزرةٍ تلك التي حظيتْ بتنسيقٍ وإشرافٍ ودعمٍ عربيٍّ ودوليّ بل وربما فلسطينيٍّ بامتياز؟؟ أكلُّ البشريةِ اجتمعتْ لتخنُقَنا وتقتلَنا عن بَكرةِ أبينا؟!!

علا صوتُ المدافعِ فحوّلَ غزةَ الهادئةَ الحالمةَ الوديعةَ إلى جهنمَ حمراءَ من شدةِ القذائفِ التي انهالتْ عليها كالحِمم، فيما تحوّلَ أهلُها إلى متنقلينَ بين المشافي؛ يسعونّ لتحويلِ أبنائهم للعلاجِ في الخارج، وفي هذا الجانبِ مساومةٌ وامتهانٌ لكرامةِ الجريحِ لا تُوصفُ ومن بني القُربى قبلَ الأعداءِ وللأسف !!

حربٌ بدأها الإحتلالُ الإسرائيليُّ بقصفِ أمنِ غزةَ، علّها تضطربُ وتعجُّ بالفوضى؛ فينعمُ في تمريرِ أهدافِه ومخططاتِه؛ بنشرِ عيونِه وعملائه في كلِّ مكان، ولكنْ هيهات..

انقضى اليومُ الأولُ للحربِ وعيونُنا لم تنمْ، تُفكرْ في هولِ الفاجعةِ التي راحَ ضحيتَها أطفالٌ وأجنةٌ وشيوخٌ وشباب ..

انقضى اليومُ الأولُ للحرب ِ، ولم نكنْ نعلمُ أننا أمامَ حربٍ ستستمرُ أسابيعَ طويلةً ، وكأنها دهور؛ فكلُّ لحظةٍ كانت تمرُّ علينا، تُفجعُنا برحيلِ حبيبٍ أو قريبٍ أو صديقٍ عزيز..

انقضى اليومُ الأولُ ونحن نحدِّثُ أنفسنَا أحلُمٌ ما حدثَ أم حقيقةٌ؟ هل رحلّ هذا العددُ الكبيرُ من رجالِ شرطتِنا الغرّاء، هل سًُحقتْ مبانينا الأمنيةُ بهذهِ السرعة؟!

انقضى اليومُ الأولُ ليصبحَ أشْهَرَ وأعنفَ وأقسى يومٍ تعيشُه غزةُ منذُ حربِ عامِ ألفٍ وتسعٍمائةٍ وسبعةٍ وستين..